TLAXCALA تلاكسكالا Τλαξκάλα Тлакскала la red internacional de traductores por la diversidad lingüística le réseau international des traducteurs pour la diversité linguistique the international network of translators for linguistic diversity الشبكة العالمية للمترجمين من اجل التنويع اللغوي das internationale Übersetzernetzwerk für sprachliche Vielfalt a rede internacional de tradutores pela diversidade linguística la rete internazionale di traduttori per la diversità linguistica la xarxa internacional dels traductors per a la diversitat lingüística översättarnas internationella nätverk för språklig mångfald شبکه بین المللی مترجمین خواهان حفظ تنوع گویش το διεθνής δίκτυο των μεταφραστών για τη γλωσσική ποικιλία международная сеть переводчиков языкового разнообразия Aẓeḍḍa n yemsuqqlen i lmend n uṭṭuqqet n yilsawen dilsel çeşitlilik için uluslararası çevirmen ağı la internacia reto de tradukistoj por la lingva diverso

 23/07/2018 Tlaxcala, the international network of translators for linguistic diversity Tlaxcala's Manifesto  
English  
 UNIVERSAL ISSUES 
UNIVERSAL ISSUES / من أجل أطفالي ..قصة عاملة فلبينية في القاهرة
Date of publication at Tlaxcala: 22/04/2018
Original: All for the kids: The story of a Filipina domestic worker in Cairo
Translations available: Français 

من أجل أطفالي ..قصة عاملة فلبينية في القاهرة

Natasha Pradhan نتاشا برَدهان

Translated by  Salma Khalifa سلمى خليفة

 

في أحد أيام صيف عام 2012 الحارة خطت إلى فندق «ماريوت» القائم على الطريق الدائري في القاهرة امرأتان فلبينيتان أنيقتان تتأبطان حقيبتيهما مثلما عهدتا من مخدومتيهما. جلستا في بهو الفندق ساعات تنتظران مكالمة هاتفية وتقطعان الوقت بشرب القهوة.

في إحدى غرف الفندق كانت امرأة فلبينية أُخرى اسمها كوكو لم يسبق أن زارت القاهرة من قبل. وفدت مع مخدومتها من الإسكندرية مستعدةً بوشاح يغطي شعرها كي تتفادى أسئلة العاملين في الفندق. كانت تدري أنها لن تقدر على حمل أشياءها حين ترحل، فلجأت إلى ارتداء طبقات عدة من الملابس الداخلية فوق بعضها.

 لم تكن كوكو تكسب جيدًا في مصنع تعليب التونة في الفلبين، لذا قررت البحث عن عمل خارج بلدها - المصدر: رنوة يوسف

في الساعات الأخيرة من الظهيرة كانت مخدومة كوكو مستغرقة في مشاهدة برنامج مسابقات كانت تتابعه ذاك الصيف. اغتنمت كوكو الفرصة فدخلت الحمام وضغطت ذراع المرحاض بقوة، ثم أطلقته كي يغلب صوتُ الماء صوتَ باب الغرفة حين تتسلل خارجةً منها. عند المصعد حاولت أن تستخدم البطاقة التي أخذتها آملةً أن تفيدها في تشغيله، لكنها لم تعمل. رأت حارسًا يقترب منها واشتد توترها. حثت خطاها نحو السلّم، لكنه لحق بها. استجوبها الحارس بالعربية؛ اللغة التي لم تكن تعلمتها حينذاك. صارعت خفقان قلبها وتظاهرت بالهدوء وهي تشكل بأصابعها علامة الهاتف مرددةً كلمة «رصيد» كي توحي إليه بأنها خارجة لشرائه لا أكثر، فتركها لحالها. لما وصلت إلى بهو الفندق اتصلت برقم الهاتف الذي حفظته قبل أشهر. عبر الهاتف وجّهتها ساندرا – التي كانت جالسة تشرب القهوة في انتظار هذه المكالمة – إلى كشك سيارات الأجرة. تساءلت كوكو في نفسها – وقد تمكن منها القلق والتوتر – عن شكل سيارات الأجرة في هذه المدينة. طافت بعينيها بين النوافذ باحثة عن شيء يشبه ما وصفته لها ساندرا: سيارة بيضاء تحمل لافتة صفراء.

رأت ساندرا كوكو من مقعدها قرب سيارات الأجرة فأشارت داعيةً إياها إلى الدخول، ثم دفعت إلى حارس الفندق بإكرامية سخية، واستقلتا – مع ثالثتهما – سيارة أجرة توجهت بهن إلى مدينة السادس من أكتوبر عند طرف المدينة الآخر الذي تقيم فيه ساندرا مع زوجها حيث ستستضيف كوكو حتى تستقيم أمورها.

من مدينة الجنرال سانتوس إلى القاهرة

وُلدت كوكو لوالد يعمل صيادًا. في البداية اشتغلت بالترويج للأحذية في متجر متعدد الأقسام في مقاطعة سرنجاني الفلبينية الساحلية. وفي السابعة عشرة من عمرها احتلت المركز الثاني في مسابقة غناء قومية. تهز كتفيها غير مبالية وتقول: «راحتللتُ المركز الثاني، وما للمركز الثاني من قيمة. لو كنت فزت بالمركز الأول فلربما كنت لأدخل المنافسة في أمريكا». في العام التالي، تزوجت ورحلت عن سرنجاني (التي تتغزّل فيها حين تصفها) إلى مدينة الجنرال سانتوس (التي تبعد مسيرة ساعة بالسيارة) كي تقيم مع زوجها. ثم صارت أمًا لثلاث بنات فاشتغلت بأجر زهيد في مصنع لتعليب التونة كي تعيل أسرتها. كان تعاقدها موسميًا؛ أمضت العقد الثاني من عمرها تعمل فترات متقطعة وتربي بناتها، لكن دخلها القليل لم يكن يستمر إلا شهرين أو ثلاثة أشهر في كل مرة. أما الوقت الباقي فلم يكن لها فيه عمل مضمون.

بعد سنوات أُدين زوجها بتُهَم متعلقة بالمخدرات وسُجن. آل حمل إعالة الأسرة وتنشئة البنات كاملًا إلى كوكو، وأدركت أن دخلها لن يكفي مصروفات تعليمهن جميعهن. في سن الثلاثين عُرض عليها العمل كمغنيةً في اليابان، فقبلت. كان الأجر يتجاوز بكثير أي أجر قد تحصله في الفلبين.

بعد انتهاء فترة عملها القصيرة في اليابان وعودتها كانت الوصمة التي تلحق بالنساء الفلبينيات اللواتي عملن في اليابان قد تسللت إلى وعي بناتها فأسررن إليها بالشائعات التي سمعنها أثناء غيابها، هكذا تعهدت بأن تمكث في الفلبين رغم إلحاح طالبي عودتها إلى العمل في اليابان.

بعد سنوات اتضح لكوكو أن انتظار خروج زوجها من السجن لم يعد عمليًا. وفي زيارتها إياه في الحبس حبلت بطفل رابع، كان ذكرًا هذه المرة.

من حاجتها الماسة إلى الدَخْل وقلة السُبل المتاحة توجهت إلى شركة في مدينة الجنرال سانتوس تشغّل النساء في وظائف عمل منزلي في الخارج، ووقعت عقدًا مدته عامان تعمل بموجبه لدى عائلة في الخليج العربي براتب شهري قدره أربعمائة دولار أمريكي وتكون لها إجازة سنوية كي تزور وطنها. كانت تتوقع أنها ستقدر على إرسال المبلغ جلّه إلى أسرتها.

في عام 2010، وصلت كوكو إلى الكويت. هناك أخبرتها مخدومتها (امرأة فلسطينية ثرية متزوجة برجل ليبي) بأنها ستتقاضى مائتي دولار فقط – أي نصف ما وُعدته – وبأنها لن يؤذن لها بإجازات، ثم صُودِر جواز سفرها ووُضع في خزنة لا سبيل لها إليها. بعد أسبوعين انتقل الزوجان للعيش في الإسكندرية بمصر مُصطحبَين كوكو معهما.

خروق عقود العمل التعسفية الجائرة، مثل التي تعرضت لها كوكو، شائعةٌ، وحالات احتجاز العاملات في المنازل قسرًا وتعرضهن إلى الاعتداءات متكررةٌ، حتى إن سفارة الفلبين الكائنة في حي المعادي في القاهرة خصصت مأوىً لعاملات المنازل المهاجرات اللواتي يهربن من منازل مخدوميهن، واعتادت أن تصدر وثائق السفر البديلة لجوازات السفر التي يصادرها المخدومون ويخفونها داخل خِزَن وأن تعين العاملات المحتاجات بأثمان التذاكر للعودة إلى وطنهن. لكن الاختيارات المتاحة لكثير من العاملات محدودة؛ فالعودة إلى وطنهن جبرًا عودة إلى الظروف نفسها التي اضطررن إلى تركها.

في بعض البيوت التي تتعرض فيها العاملات إلى الظلم والإساءة تُتَّخذ احتياطات دقيقة لمنعهن من الهروب. مخدومة كوكو، مثلاً، لم تكن تسمح لأي من خادماتها بمغادرة المنزل بغير صحبة حارس مهمته الوحيدة أن يحول بينهن وبين الفرار. أما الغرفة التي كانت كوكو تبيت فيها في القبو فلم تكن شبكة المحمول تصل إليها، ولم يكن يُسمح لها بالحديث مع أطفالها الأربعة في الفلبين إلا مدة خمس دقائق، معدودات محسوبات، كل يوم.

كانت كوكو تتعرض يوميًا إلى صنوف عدة من التعسف والظلم في أثناء عملها في الإسكندرية. في صباح أحد الأيام عمد زوج مخدومتها إلى الأرفف المعلقة إلى جوار مدخل البيت الأساسي فأفرغ كل ما فوقها على الأرض ثم صاح بها: «سأعود بعد خمس دقائق، وأريد أن يكون هذا كله مرتبًا نظيفًا. أتسمعين؟ خمس دقائق!» اندفعت كوكو في ذعر وقلة حيلة تحاول تنظيم الأرفف. وفي روعها من إصرار مخدوميها على إخضاعها وقهرها وفي عجزها عن المغادرة بإرادتها أخذت آمال الفصل أو الطرد تراودها. في ساعة متأخرة من إحدى الليالي كانت تغسل الأطباق، وكان شعرها حينذاك طويلًا يكاد يبلغ فخذيها. اقتربت مخدومتها من خلفها وشدت شعرها المربوط شدًا قائلةً: «ألست تريدين رجلًا؟» ارتبكت كوكو وانزعجت، ودخلت الحمام فحلقت حاجبيها كليهما بشفرة حلاقة، ثم فكت ربطة شعرها الأسود الطويل وأرسلته فغطى وجهها ونصف جسمها، وعادت إلى المطبخ كي تراها مخدومتها على حالها هذا. صرخت السيدة وانسحبت إلى غرفتها، لكن كوكو لم تُفصل ولم تُطرد كما كان رجاؤها، بل أُمرت بألا تكرر فعلتها.

لما مرض والدها في الفلبين ونزل بالمستشفى طلبت – وهي مُعيلة أسرتها الأولى – أن تقبض جزءًا من راتبها مقدمًا كي تشتري له الأدوية التي يحتاج إليها، لكن مخدومتها رفضت. ورغم أن والدها كان على فراش الموت لم يؤذن لها بالسفر كي تراه قبل أن ينهي مرضه حياته ولا كي تحضر جنازته. حينذاك أدركت أن وظيفتها لا تستحق وجع انقطاعها عن عائلتها انقطاعًا كاملًا حتى إن كانت قادرة على إرسال راتبها جلّه إليهم، لكنها لم تملك – مع ذلك – حرية الاستقالة والرحيل، فما كان جواز سفرها في متناول يديها بل تحت حراسة مقيمة.

ذات يوم لاح لها شيء من أمل؛ همست زميلتها الطاهية الإندونيسية في خلوتهما بأنها تعرف رقم امرأة فلبينية حرة وقالت لكوكو: «هذه المرأة مقيمة في القاهرة. علها تقدر على مساعدتك». تخوّفت كوكو من أن تكتب الرقم فآثرت أن تحفظه. بعد أسابيع عدة تسنت لها أخيرًا لحظة فيها من الأمان، ما يكفي كي تتصل بساندرا وتخطط للهروب.

العلاملات الأجنبيات غير الحاملات لوثائق عمل في مصر تتملكهن مخاوف دائمة من أن يتمّ إيقافهن من قِبل السلطات . الرسمة: رنوة يوسف - المصدر: الرسم لـ: رنوة يوسف

حرية بغير وثائق

قامت ساندرا إلى غوث كوكو وهي غريبة عنها. ولم تنس كوكو كرم ساندرا، وما زالتا صديقتين مقربتين حتى يومنا هذا. في أثناء إقامتها القصيرة مع ساندرا – عقب واقعة فندق «ماريوت»– تعرفت إلى شبكة نساء فلبينيات يعملن في بيوت قاهرية: كثيرات منهن كنّ يعملن بغير عقود، وبهذا كانت حرياتهن الشخصية مكفولة، لكن تواجدهن في البلاد غير قانوني، وغيرهن اكتسبن وضعًا قانونيًا بالزواج، أو بعمل تعاقدي كي تتحررن من خوفهن من شبح الترحيل.

من خلال شبكة ساندرا اهتدت كوكو إلى عائلة مصرية في مدينة العبور على أطراف القاهرة اشتغلت لديها عاملةً مقيمةً، ورغم أنها لاقت من مخدومتها بعضًا من سوء المعاملة، إلا أنها كانت راضية؛ فقد كانت حرة تكسب مالًا ترسله إلى أطفالها. أمضت بضعة أشهر في العبور ادخرت في أثنائها مبلغًا يكفيها كي تستقيل من وظيفتها، ثم استأجرت غرفة في حي المهندسين وصارت تعمل بنظام العمل الحر لدى مخدومين عدة. كانت معرفتها باللغة العربية قد تحسنت في ذلك الوقت، وتعلمت كيف تتعامل في المدينة كي توسع شبكة علاقاتها وتعثر على فرص عمل.

مع ذلك كله لم تكن إقامتها في مصر قانونية، ولم تكن تحمل جواز سفرها، وحين خشيت أن تعتبر هاربة وتُعاد إلى الفلبين قسرًا أبلغت سفارة بلادها بأن جواز سفرها مفقود واستصدرت وثيقة سفر بديلة له، غير أن شعورها بأنها ممنوعة من زيارة عائلتها لم يتبدد، فقد كانت تخشى إن هي سافرت ألا يُسمح لها بالعودة إلى مصر.

توفي زوج كوكو الذي كان مسجونًا في الفلبين – وهي مقيمة في مصر – فباتت أرملة بعد أعوام من البعد الوجداني بينهما. واصلت العمل كي تعيل أفراد أسرتها المقيمين في وطنهم؛ ظلت تشتغل عاملةَ تنظيف ومربيةً. كان أطفالها يكبرون، وأحدثهم – الذي غابت عنه مذ كان في عامه الثاني – أصبح في المدرسة الابتدائية.

قبل عام 2017 كان نادرًا أن يُستوقف مواطنو بلدان جنوب شرق آسيا ويُسألوا إثبات قانونية إقامتهم في مصر. أما منذ يوليو الماضي فقد صارت السلطات تضرب بالأعراف عرض الحائط وتوقف المهاجرين في أماكن عامة، ثم تحتجزهم دون إخطار قنصليات بلدانهم. إذا ما عجز الطلاب عن تقديم وثائق سارية فهم يواجهون – عادةً – عواقب أخف مما يواجهه عاملو البيوت الذين لا يحملون وثائق سارية، حيث قال عدد من عاملي البيوت إنهم تعرضوا إلى عنف بدني وعنف جنسي أثناء احتجازهم دون علم قنصليات بلدانهم بأماكنهم.

طرحت صديقة فلبينية فكرة «شراء» زواج في سبيل الحصول على الإقامة، وبدا لكوكو أن هذه الفكرة تناسبها أكثر من إبرام عقد توظيف قد يعود عليها بالقهر ولا تجد فيه ضمانةً ألا تُحتجز وثائق سفرها. بلهفة إلى زيارة أهلها سعت إلى الزواج، واهتدت إلى رجل سبق له أن تزوج بثلاث نساء فلبينيات.

مضت كوكو في تنفيذ خطتها ودفعت مبلغًا كبيرًا كي تتزوج. ولما قننت وضعها أخيرًا انقشع هاجس الترحيل، وصار سفرها من مصر وإليها ممكنًا فنالت الحرية التي لم تكن ملكًا لها منذ أن وفدت إلى البلد قبل سنوات خلت. جمعت الهدايا التي أهداها إليها مخدوموها بمدخراتها واشترت بهما تذكرة للذهاب إلى مانيلا والعودة منها عام 2016.

تصف كوكو المفارقة في أنها كانت تكتشف عادات ابنها رويدًا، بينما هي على علم ببواطن عادات طفل ابن ثلاث سنوات من أصل هندي تعمل مربيةً له في القاهرة. تقول: «روهان يطلب الزبادي دائمًا لأن الطعام الحِرِّيف يُبكيه. أما ابني فكنت أسأله عما يريد حين عدت إلى الفلبين. لم أكن أعرف حتى ما يشتهي».

كانت بنات كوكو يشكين من تمرد أخيهن ابن الثانية عشرة وغيابه عن المدرسة، لكن الصبي التزم الحضور يوميًا وأحسن التصرف أثناء زيارة أمه توسلًا إليها أن تعود عودةً نهائية.

احتياج كوكو إلى المال اضطرها إلى إنهاء إجازتها بعد أسبوعين اثنين فقط. عقب عودتها إلى مصر ثبت انعدام جدوى زواجها مدفوع الأجر؛ فالرجل الذي تزوجته زواجًا صوريًا راح يبتزها طالبًا أن تدفع إليه بمبالغ مالية هائلة وإلا طلقها، ولما عجزت عن تدبير تلك المبالغ هددها بأن يطالبها بممارسة الجنس معه. أوت كوكو إلى بيتها واجتهدت أيما اجتهاد في إخفاء محل سكناها عن الرجل. ثم لجأت إلى بعض مخدوميها من الدبلوماسيين الأجانب طالبةً المشورة، فوعدوا بإعانتها على استصدار تأشيرة. حين عاود زوجها – بتعريف القانون – تهديدها بالطلاق فاجأته بقبول تهديده، وفور أن اكتمل تسجيل معاملات الطلاق قطعت الاتصال به.

عادت كوكو إلى وضعها الأول: مقيمة في مصر خارج إطار القانون، غير أن المدينة التي كانت غريبة عنها يومًا صارت لها كالوطن؛ عندها مجموعة من المخدومين الذين لا غنى لهم عنها وأصدقاء مقربين، وعلمها بالعربية بات قويًا، بل إنها وجدت مُتنفسًا جديدًا تمارس فيه شغفها: الغناء؛ انضمت إلى الجوقة في الكنيسة التي ترتادها وشكلت فرقة مع امرأتين فلبينيتين أخريين تعملان في القاهرة.

أحيانًا – بعد انقضاء يوم عملها الطويل الذي قد تتنقل في خلال ساعاته بين بيوت عدة – كانت تتوجه إلى حيث تدريب الفرقة بدل أن تأوي إلى فراشها. كانت الفرقة الثلاثية تقدم عروضها في المهرجانات والحفلات الخاصة. ورغم أن عملهن مربح فإن كوكو كانت تضطر أحيانًا إلى الامتناع عن المشاركة بسبب التزاماتها في عملها مربيةً لأنها تكره أن تخذل مخدوميها الذين يؤمنون لها عملًا مستمرًا ثابتًا.

كانت إحدى مخدوماتها قد طلبت لها تأشيرة – منذ عام كامل – أملًا في استقدامها معها إلى السويد كي تواصل العمل عند عائلتها في ستوكهولم، وكانت كوكو تستلطفها. لكنها لم تعلق آمالها على تأشيرة الإقامة، ولا كانت تواقة إلى مغادرة المدينة التي صارت لها وطنًا آخر. ثم فوجئت بقبول السلطات السويدية الطلب. كانت السُبل الممهدة أمامها قليلة، والرعاية الصحية ومنافع التقاعد اللتان تشملهما الإقامة السويدية مغريتان، فقبلت – محزونةً – بالانتقال إلى البلد الاسكندنافي.

ومن سخرية القدر أن إقامتها في مصر صارت قانونية – بعون مخدومتين ألمانيتين – قبل مغادرتها البلاد بأيام قلائل. كان التوتر يغشاها من أن تُقبِل على فصل جديد من فصول حياتها بعد أن جاوز عمرها الأربعين، لكنها صدقت وعدها. وحين ذكرت أن استقدام أسرتها قد يكون ممكنًا بفضل الإقامة السويدية أشرق وجهها بِشرًا.

أما في الوقت الراهن فتجمعها ببناتها الثلاث وابنها مجموعة محادثة إلكترونية. تقول لنا: «اتصالي بالإنترنت لا ينقطع، واتصالهم بي ممكن في كل وقت وحين». ابنتاها الكبريان حصلتا على درجة البكالوريوس وأنجبتا: إحداهما تعمل بالصيدلة في مانيلا، والأخرى بالتدريس في مؤسسة تعليمية خاصة. وحتى مع الصعوبات التي تواجهانها في إعالة أسرتيهما فهي لا تريد لهما أن تسلكا مسلكها، وتحضّهما على مقاومة الضغط الاقتصادي الذي يدفعهما إلى السفر للعمل. باحت إلينا – ببهجتها ولطفها المعتادين وهي جالسة في مقهى «سيموندس» في إحدى الليالي – بأن ابنتيها الأوليين لم تتفهما اختيارها مغادرة الفلبين حتى كبرتا وتزوجتا وأصبحت كل منهما معيلة أسرتها الوحيدة. «قالتا لي: لقد فهمنا السبب الذي دفعك إلى فعل ما فعلتِ. لكن هذا لم يكن إلا بعد أن صارتا عاملتين وعرفتا مشقة الأمر».

حين تفكر في المستقبل تعجز عن تصوّر العيش بغير مسؤولية العمل على إعالة أسرتها، ولا تتخيل حياتها كيف ستكون حين تقدر على العودة إلى مدينة الجنرال سانتوس عودة نهائية. تتساءل: «هل سيهجرني أطفالي في آخر عمري لأنهم يحسبون أني هجرتهم في طفولتهم؟»، ثم تستدرك: «أنا لم أهجرهم، بل كانوا نصب عيني في كل ما فعلت».





Courtesy of مدى مصر
Source: https://www.madamasr.com/en/2018/04/21/feature/society/all-for-the-kids/
Publication date of original article: 21/04/2018
URL of this page : http://www.tlaxcala-int.org/article.asp?reference=23233

 

Tags: المحلية الفلبينيةمصر
 

 
Print this page
Print this page
Send this page
Send this page


 All Tlaxcala pages are protected under Copyleft.