TLAXCALA تلاكسكالا Τλαξκάλα Тлакскала la red internacional de traductores por la diversidad lingüística le réseau international des traducteurs pour la diversité linguistique the international network of translators for linguistic diversity الشبكة العالمية للمترجمين من اجل التنويع اللغوي das internationale Übersetzernetzwerk für sprachliche Vielfalt a rede internacional de tradutores pela diversidade linguística la rete internazionale di traduttori per la diversità linguistica la xarxa internacional dels traductors per a la diversitat lingüística översättarnas internationella nätverk för språklig mångfald شبکه بین المللی مترجمین خواهان حفظ تنوع گویش το διεθνής δίκτυο των μεταφραστών για τη γλωσσική ποικιλία международная сеть переводчиков языкового разнообразия Aẓeḍḍa n yemsuqqlen i lmend n uṭṭuqqet n yilsawen dilsel çeşitlilik için uluslararası çevirmen ağı

 15/12/2018 Tlaxcala, the international network of translators for linguistic diversity Tlaxcala's Manifesto  
English  
 CULTURE & COMMUNICATION 
CULTURE & COMMUNICATION / ثورة بدون ثوار: في فهم الربيع العربي
حوار مع آصف بيات حول كتابه الأخير
Date of publication at Tlaxcala: 05/03/2018
Original: Critical voices in critical times: revolution without revolutionaries, an interview with Asef Bayat
Translations available: Français 

ثورة بدون ثوار: في فهم الربيع العربي
حوار مع آصف بيات حول كتابه الأخير

Heba Khalil هبة خليل
Linda Herrera ليندا هيريرا


Translated by  Ashraf Omar أشرف عمر

 

في صيف 2017، صدر كتاب «ثورة بدون ثوار» لآصف بيات، المؤلف الذي قرأ البعض أعماله أثناء الاعتصام بميدان التحرير في 2011. جاء هذا الكتاب الأخير، بعد كتابه «الحياة كسياسة: كيف يقوم الناس العاديون بتغيير الشرق الأوسط»، ليستكشف كيف أثَّر الزمن والمسافة في طبيعة الربيع العربي ونتائجه.

في هذا الحوار، تتحدَّث الباحثة المصرية هبة خليل، المُتخصِّصة في علم الاجتماع، مع آصف بيات، حول الكثير من نقاطه الرئيسية. ونحن إذ نتذكَّر ثورة 25 يناير 2011، ننشر إليكم ما دار بينهما من حوار.

هبة خليل: لا يزال الربيع العربي يُمثِّل مجموعةً مُعقَّدةً من الأحداث: عواقب غير مُتوقَّعة وغير مُخطَّط لها، ونتائج غير مقصودة ويستحيل التنبؤ بها. يدور كتابك «ثورة بدون ثوار» حول فهم الربيع العربي. ما الذي تحاول أن تفهمه بالتحديد؟

آصف بيات: أريد أن أفهم الربيع العربي من زاوية كيف تمضي الثورات، ولماذا حدثت بتلك الطريقة، والأشكال المختلفة التي اتَّخَذَها الحراك، ومَن كانوا من بين أنصارها وكتلتها الحرجة، وماذا كان نتاجها الفوري. لكنني مهتمٌ في المقام الأول باستكشاف معنى الربيع العربي تاريخيًا، إذ أعتقد أن هذه الثورات كانت مختلفةً عن تلك التي درستها وشهدتها من قبل، أقصد ثورات السبعينيات.

هبة: كثيرًا ما يُشار إلى الثورة الإيرانية 1979 في ما يتعلَّق بالربيع العربي باعتبارها ثورةً إسلامية تمخَّضَت عن دولةٍ إسلامية. هذا التبسيط المُخِل يتجاهل الديناميات المختلفة الخاصة بالثورة الإيرانية وما ابتكرته أيديولوجيًا. كيف تُعتَبَر تلك الثورة عدسةً ملائمة لفهم الربيع العربي؟

آصف: حسنًا، استُخدِمَ مصطلح «الثورة الإسلامية» على نطاقٍ واسع مع نهاية الحراك الثوري، وبعد سقوط نظام الشاه. في الحقيقة، بدأت الأسلمة بالأساس بعدما استولى ثوار معظمهم من الإسلاميين على الدولة، وبعد تأسيس الدولة الإسلامية.

وصفتها النخب الجديدة بالثورة الإسلامية، وروَّجَ الإعلام الدولي لهذا الوصف. أعتقد إنكِ مُحِقةً في أن هذا الوصف قد حَجَبَ وطغى على الكثير من السمات التقدُّمية المثيرة للاهتمام لهذه الثورة. إنني أتحدَّث عن إمكانية ما كنَّا نُطلِق عليه وقتذاك «الديمقراطية الشعبية» -أعني مجالس شورى، أو تلك الأشكال من الإدارة الذاتية التي انبثقت في الأحياء والمزارع، وبين الجماعات العرقية، وبصورةٍ خاصة في المصانع والجامعات، حيث بدأ الناس في ممارسة شكلٍ من الحكم الذاتي؛ بدأوا في إدارة تلك المؤسَّسات بطريقةٍ ديمقراطيةٍ تمامًا. لقد استندوا في مطالبهم إلى مبدأ تقرير المصير.

أعتقد أن تلك الأبعاد من الثورة الإيرانية قد ظلَّت غير مُستَكشَفةٍ بشكلٍ كافٍ، ولم تحظ إلا بالقليل من الاهتمام. وأعتقد أن هذه المظاهر من التعبير الشعبي عن السيادة، على المستوى المحلي اليومي وعلى الصعيد الوطني على حدٍّ سواء، مثَّلَت إحدى السمات التي تُميِّز الثورة الإيرانية عن الانتفاضات العربية.

إيران

هبة: أنت تضع الثورة الإيرانية جنبًا إلى جنبٍ مع الربيع العربي وحركات «احتلوا» (Occupy) التي بدأت في «وول ستريت»، لتقارن السياسات الراديكالية للستينيات والسبعينيات بما تطلق عليه «سياسات الميدان» للربيع العربي وحركات «احتلوا». هل هناك فرق بينهما؟

آصف: الأمر الرئيسي هنا كي أتمكَّن من شرح الفرق بين الحركتين هو أنهما جرتا في عصرين أيديولوجيين مختلفين. كانت ثورات السبعينيات تندلع في وقتٍ كانت الحرب الباردة في ذروتها، فكان العالم منقسمًا بين الاتحاد السوفييتي وحلفائه؛ ذلك العالم الاشتراكي من جهة، وبين العالم الرأسمالي من جهةٍ أخرى. ثم كان هناك عالمٌ ثالث، كانت إيران ونيكاراجوا جزءًا منه. لكن كانت لا تزال هناك حركات -نضالات تحرُّرية وحركات اجتماعية على السواء- نزعت إلى أيديولوجياتٍ جذرية مثل الاشتراكية والشيوعية، بصورةٍ كبيرةٍ في الدول النامية.

كانت هناك أيضًا حركاتٌ قويةٌ للغاية مناهِضةٌ للإمبريالية، أيَّدتها المجموعات السياسية في البلدان النامية. وعلى النقيض من العصر الأيديولوجي للسبعينيات، جاء الربيع العربي في مرحلةٍ أشبه بفاصلٍ ما بعد أيديولوجي؛ كان ذلك في أعقاب 1989 حين اندلعت الثورات المُناهِضة للشيوعية في أوروبا الشرقية لتُمثِّل نهايةً للأيديولوجيا في حدِّ ذاتها.

لذا، مع نهاية الاشتراكية إثر ثورات أوروبا الشرقية، وصلت فكرة الثورة نفسها، وهي التي تُشبَّه بالاشتراكية وتُعرَّف بها، إلى مآلها الأخير. بدا الأمر كما لو كان العالم قد تجاوَزَ إمكانية الثورات. لذا، فإن الثورات العربية اندلعت في عصرٍ تبدَّدَت فيه فكرة الثورة نفسها.

هبة: رغم أننا نتحدَّث عمَّا يمكن أن نطلق عليه «مرحلة ما بعد الأيديولوجية»، لكن الربيع العربي قد حدث بالفعل، ربما بشكلٍ غير مُتوقَّع. في كتابك، تطلق عليها «ثورات إصلاحية». كيف يمكن أن تكون لدينا ثورات، وهي بطبيعة الحال راديكالية، لكن في الوقت نفسه تفشل حتى في تحدي رؤية النظام نفسه الذي اندلعت ضده؟

آصف: أعتقد أن هذا التناقض الواضح يعكس مفارقةً للواقع في بعض النواحي. في الحقيقة، تبدأ الجملة الأولى في الكتاب كالتالي: الشعب ربما، وربما لا، يكون لديه أفكارٌ عن الثورات من أجل أن تحدث… لأن اندلاع الثورة لا علاقة كبيرة له بأي فكرة، بل وحتى أقل مع نظرية الثورة. الثورات «ببساطة» تحدث. بالطبع كلمة «ببساطة» هنا موضوعةٌ بين قوسين، لأنها في الحقيقة أعقد بكثير من ذلك. لكن وجود فكرة عن الثورة من عدمه تكون له آثارٌ حاسمة على نتائجها. بعبارةٍ أخرى، قد تحدث الحركات الثورية، وهي تحدث بالفعل، حتى إن لم تكن الطبقة السياسية -النشطاء على سبيل المثال- قد فكرت في الثورة أو وضعت تصوُّرًا لها. ولهذا السبب، كان على الثوريين والنشطاء أن يرتجلوا في خضم ما حدث في سيدي بوزيد وميدان التحرير؛ ويتفهَّموا ما لم يتوقَّعوه قط. وكان ذلك صعبًا للغاية.

يمر وقتٌ يفكر فيه أنصار الثورة أنفسهم، حتى أثناء الانتفاضات، «ربما لسنا مستعدين لذلك»، أو «لم نفكِّر في ذلك»، أو «علينا أن نُفكِّر في ذلك»، لكن حينها يكون قد فات الأوان. ونتيجةً لهذا الواقع المتناقض، تصبح الحصيلة ما يمكن أن يُسمَّى «ريف-أولوشن»، أو «ثورات إصلاحية» إذا أردتِ. هذا يعني أنه كان لدينا حركةٌ ثورية أرادت أن تجبر الدولة القائمة على إصلاح نفسها نيابةً عن الثورة. وهذا مختلفٌ عن ثوراتٍ سابقة كان فيها الثوار يُشكِّلون حكوماتٍ انتقالية، جهازًا بديلًا للسلطة، وفي أيديهم سلطةٌ صلبة يستخدمونها مع سلطة الشارع لإجبار النظام القائم على التنحي والسماح لهم بالسيطرة على السلطة الحكومية، ليؤسِّسوا هياكل جديدة للحكم، ومؤسَّسات اجتماعية جديدة، وعلاقات جديدة في المجتمع.

ميدان التحرير

هبة: دعنا نتحدَّث قليلًا عن الأفكار التكوينية للثورات: ذكرت في كتابك أن الربيع العربي كان «غنيًا بالحركة، فقيرًا بالتغيير». ما هي الطرق التي أثَّر بها غياب المفكرين الثوريين على غرار علي شريعتي، المفكر الإسلامي الاشتراكي للثورة الإيرانية، على مسار الانتفاضات العربية ونتائجها؟

آصف: رغم أن أغلب الثورات تبدأ بصورةٍ عفوية وتفاجئ الجميع، حتى أنصار الثورة أنفسهم، عادةً ما ترتبط الثورات بشكلٍ من أشكال الصياغة الفكرية، حزمة مفاهيمية تُوجِّه تفكير النشطاء وتوقُّعاتهم، وبالأخص إستراتيجيتهم للثورة ورؤيتهم للتحوُّل، وتكون بمثابة مرشدٍ عام لكيفية دفع الثورة للأمام. بالنسبة لروزا لكسمبورج -ثورية الألمانية- ، على سبيل المثال، كانت تلك مسألة جلب ما أسمته بالنظرية إلى الممارسة الثورية. وأشخاصٌ مثل لينين الذي كتب دراسةً مُعقَّدة حول طبيعة التطوُّر الرأسمالي في روسيا.

كان لدى الثورة النيكاراجوية عنصرٌ فكري مُستَمَد من الاشتراكية الديمقراطية ورؤى أوجستو ساندينو. ولقد طوَّر علي شريعتي رؤيةً للثورة متوافقةً مع خصوصيات المجتمع الإيراني وثقافته -خليط من الاشتراكية الماركسية والشيعية الثورية. أما في حالة الثورات العربية، فعلى ما يبدو لم تكن هناك صياغةٌ فكرية لرؤيةٍ ثورية -أيًّا كان الشكل الذي ربما اتَّخذته. لم تكن هناك رؤى بديلة للمؤسَّسات والعلاقات الاقتصادية الجارية في ظلِّ الأنظمة القائمة.

كان يبدو أن ما أراده أنصار الثورة هو فقط إزاحة حُكَّام استبداديين مثل حسني مبارك أو زين العابدين بن علي أو علي عبدالله صالح. لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ربما كانوا يرتأون حكومةً أكثر تمثيليةً وما إلى ذلك.

لكن ما أحاول الإشارة إليه هو «كيف؟». كيف تريد أن تستبدلهم؟ بعبارةٍ أخرى، كان السؤال هو كيف تنتزع السلطة من الأنظمة القائمة، وبأي وسائل وموارد؟ بالطبع كان لديهم سلطةٌ في الشوارع، وهذا أيضًا مهم. وقد تمحور الأمل على أن الأنظمة ستحسب الخسائر والمنافع وتستنتج أن كُلفة مقاومة الثورة ستكون أعلى، ومن ثم توافق على التفاوض. ومن المُرجَّح أن ينجح ذلك فقط إذا كانت هناك سلطةٌ كافيةٌ ومُستَدامة، فضلًا عن المهارات السياسية وإدراك كيفية عمل المراكز الصلبة للسلطة (كما في حركة «تضامن» في بولندا). لكن ذلك قد لا ينجح، كما في البحرين أو سوريا، كما لم ينجح في تونس. هرب بن علي خارج البلاد؛ لم يتفاوض.

وتُظهِر الحالتان المصرية واليمنية على وجه التحديد ضعف «الثورات الإصلاحية» في التعامل مع أخطار الثورة المضادة في تلاعبها واستعادة نفسها من جديد. السؤال هو كيف يمكن التعامل مع أخطار الثورة المضادة؟ كيف يمكن نزع فعاليتها؟

هبة: أنت تصف الربيع العربي وحركات «احتلوا» باعتبارها «ما بعد أيديولوجية»، إذ فشلت في -أو اختارت بوعيٍ أن ترفض- التعبير عن مجموعةٍ من المطالب الملموسة، أو أن تُنظِّم نفسها في أشكالٍ مؤسَّسية، ومن ثم كانت عاجزةً عن تقويض الأوضاع القائمة. ماذا كانت العواقب من حركات ما بعد الأيديولوجية؟

آصف: هذا السؤال له علاقةٌ بجانبين من الأيديولوجيا: من جانب، يمكن للأيديولوجيا أن تكون فائقة القوة في الحراك والتوحيد والتعبئة، لتخلق كُلًّا مُوحَّدًا، وهذا مهمٌ طالما أن الأمر مُتعلِّق بالسلطة. لكن الأيديولوجيا، ولنفس هذا السبب، لها أيضًا أخطارها، حيث الإيمان الذي لا يمكن المساس به أو التشكيك فيه، ما يعني أنها قد تكون قمعيةً أيضًا. وهكذا فإن للأيديولوجيا جانبين. إذا نظرتِ إلى ما حدث في الثورات العربية، ستجدين هناك ازدواجية حاضرة في ما بعد الأيديولوجية. من جهة، كانت عملية الثورات العربية أكثر انفتاحًا، وأكثر تشاركيةً، وأقل قمعية من ثوراتٍ سابقة كان لها منظمةٌ وقيادةٌ مُوَّحَدَتين.

إن منظمةً مُوحَّدة من شأنها أن تخنق التنوُّع والتعدُّدية، وهذا ما رأيناه في الثورة الإيرانية، رغم أنه كان لديها مُكوِّنٌ ديمقراطي جذري قوي من حيث صعود المجالس المحلية في الأحياء ومواقع العمل والمؤسَّسات التعليمية.

كانت الثورات العربية تعدُّدية بطبيعة الحال، لأن السلطة لم تُحتَكَر بواسطة الاستيلاء الثوري على الدولة -الكثير من المؤسَّسات داخل المجتمع المدني، بما فيها تلك المرتبطة بالنظام القديم، ظلَّت نشطة. لم يتمكَّن الثوار من إخضاع القائمين على الأوضاع وأن يرتقوا إلى قمة السلطة. ومن جهة أخرى، لهذا السبب بالتحديد، ربما تحظى الثورة المضادة بفرصٍ أفضل في الانخراط في أعمال التخريب وإعادة التعبئة لاستعادة النظام القديم.

هبة: هل تعتقد أن تغييرًا حقيقيًا ممكنٌ في نظامنا العالمي الراهن الذي يهيمن عليه التفكير ما بعد الحداثي وما بعد الأيديولوجي؟

آصف: لا أعرف الإجابة على هذا. أفهم الديناميات والقيود، لكن كل ما أستطيع أن أقوله هو إن هذا هو زمن النهايات المفتوحة. ربما هناك إمكانيةٌ أكبر لتغييرٍ حقيقي يستفيد منه الناس الواقعين في الحرمان السياسي والاقتصادي، أو العرقي إذا تحدَّثنا عن الهويات. لكنني أعتقد أنه ليس بإمكاننا فعل ذلك إن لم نُعرِّف ممارسات ومؤسَّسات النيوليبرالية وأيديولوجيتها الطاغية. ربما تعني ما بعد الأيديولوجيا أن معارضة السلطة قد لا ترتبط بأيديولوجيا معينة كما هو الحال مع أغلب المُتحكِّمين في السلطة. لقد صارت النيوليبرالية أيديولوجيا، وهي أيديولوجيا قويةٌ للغاية، ولها هذين البُعدين: إنها قويةٌ للغاية في التعبئة، وفي الوقت نفسه خطيرةٌ للغاية من زاوية قدرتها على تقديم نفسها على أنها متوافقةٌ مع الحس العام السليم، كطريقةٍ طبيعية للتفكير في الحياة العامة وتنظيمها. من المهم للغاية انتقاد ذلك وتقويضه، وكذلك تسليط الضوء على ركائزه وعواقبه القمعية واللامساواتية.

كما أجادل في الكتاب، فإن للنيوليبرالية تأثيرًا في خلق معارضةٍ بين الناس العاديين، ذلك لأنها تُولِّد الحرمان والتهميش واللامساواة. لكنها أيضًا انتزعت الراديكالية من الطبقات السياسية، أعني أنها قدَّمَت نفسها كطريقةٍ للحياة لا بديل عنها. لدى النيوليبرالية القدرة على إشراك وامتصاص الحركات الراديكالية التي ربما تحاول تحديها، من خلال تسليعها وتسويقها. يمكنها أن ترفع من شأن الراديكاليين؛ يمكنها أن تُسوِّق شخصياتٍ مثل تشي جيفارا، طالما أنهم يبيعون ملصقاتهم وأغراضهم الأخرى. يمكنها أن تُسوِّق الثورة. وهذا النزوع يعود إلى الانتفاضات التي اندلعت ضد سلوبودان ميلوسوفيتش في صربيا، حين تطوَّرَت بعض الأفكار لتجعل الثورة ميلًا أنيقًا ورائجًا ومثيرًا.

تشي

هبة: الكثير من أعمالك يُركِّز على الأطراف الفاعلة في الثورة والسياسة، بما يشمل كلًا من الثوار والناس العاديين. لكن عنوان كتابك يشير إلى غياب الثوار. من تحدِّدهم كنشطاءٍ للثورة؟ وما الأفكار التي تقود نشاطهم؟

آصف: في الكتاب، الثوار هم أولئك النشطاء الذين أخذوا زمام القيادة في تعبئة المتظاهرين وصاغوا طرقًا للتقدُّم إلى الأمام. حين أقول «ثورة بدون ثوار»، أعني ثورات دون أفكار ثورية. وهذه الثورات لافتة في نواحٍ أخرى على صعيد تكتيكات الحراك -كيفية التعبئة، والمقاومة، والنجاح في حشد أعدادٍ كبيرةٍ من الناس في الشوارع. في الحالة المصرية، صار ميدان التحرير ساحةً عالمية؛ صار نموذجًا لحركاتٍ أخرى نشأت لاحقًا في مناطق أخرى في 5 آلاف مدينة حول العالم. لكن الثورة من حيث التغيير، ومن حيث امتلاكها رؤية عن التغيير، وكيفية انتزاع السلطة من القائمين عليها، فهذا ما افتَقَرَت إليه.

أعتقد أن بعض الأفكار ظهرت بالفعل في هذه العملية، لكنها كانت بحاجةٍ إلى الدعم بالتفكير العميق والتحليل الدقيق. على سبيل المثال، ما حدث في ميدان التحرير نفسه كان يعني بالنسبة لبعض المُحلِّلين في الخارج أكثر قليلًا من مجرد لحظةٍ تجسَّد فيها «المستقبل في الحاضر»، كان يعني مساحةً ديمقراطية يديرها الناس جماعيًا، شيئًا كالذي أطلقت هانا أرنت -فيلسوفة ألمانية- عليه «المدينة اليونانية-Greek Polis»، حيث يدير الناس شؤونهم الخاصة ديمقراطيًا دون سلطةٍ سياديةٍ تترأسهم.

وهذه فكرةٌ مثيرةٌ للغاية أبهرت الكثير من الناس، مثل ألان باديو وسلافوي جيجِك، وآخرين. لكنني أعتقد أن التحرير، بينما كان مذهلًا وملهمًا للغاية، كان أيضًا استثنائيًا ومؤقتًا.

كانت لحظةً استثنائيةً في العملية الثورية الطويلة التي جرت في أغلب التحوُّلات الثورية الكبرى. كانت لحظةً ظهرت فيها ممارساتٌ للتنقُّل بين ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي؛ بين الحقيقة واليوتوبيا. لكن السؤال بالنسبةِ لي كان: ماذا يحدث في اليوم التالي بعد تنحي الديكتاتور، حين يعود الناس لبيوتهم لتلبية احتياجاتهم اليومية، باحثين عن لقمةِ عيشهم، والوظائف، والأمن والاستقرار؟ هذه النوعية من القضايا هي التي أعنيها حين أتحدَّث عن رؤى أوسع وتفكيرٍ عميق، وهي خصائص أشعر أن على الثوريين أن يمتلكونها. يجب على المرء أن تكون لديه أفكارٌ جيدة حول ما سيحدث في اليوم التالي. كيف تريدين بناء نموذج ديمقراطي، استنادًا إلى مجتمع التحرير، على مستوى الدولة والأمة؟ هذا هو التحدي.

هبة: هل تعتقد أن النشطاء بافتقارهم للأفكار الثورية والاستعدادية للثورة، خذلوا الناس العاديين خلال الربيع العربي؟

آصف: كلا، على الإطلاق. نحن لا نتحدَّث هنا عن المسؤولية واللوم، بل ندلي بملاحظةٍ تاريخيةٍ بأن هذه الحركات كانت نتاجًا لفترةٍ تاريخيةٍ معينة. والأمر لا يتوقَّف فقط على الانتفاضات العربية. إذا نظرتِ إلى حركاتٍ اجتماعيةٍ أخرى عبر العالم في عام 2011 الحاسم، على سبيل المثال حركات «احتلوا»، ستجدينهم متشابهين من حيث أنهم لم تكن لديهم رؤية بديلة مُحدَّدة بالشكل الذي كانت موجودةً عليه في ثوراتٍ سابقة.

كل ما أقوله هنا هو أن من المهم امتلاك أفكار حول كيفية عمل السلطة، وكيفية التعامل معها، وكيفية تغييرها، وكيفية تأسيس علاقات جديدة للسلطة من أجل إقامة نظام أكثر عدلًا ومساواةً وشمولًا. والأكثر من ذلك هو أننا لسنا بحاجةٍ فقط إلى التفكير في كيفية التعامل مع السلطة، بل أيضًا كيفية التعامل مع قضية المِلكية من خلال حركاتنا. أريد أن أُشدِّد على فارقٍ محوري هنا: نشطاء الربيع العربي فصلوا بين حقليّ السياسة والاقتصاد، كما لو أنهما مجالان منفصلان بالفعل في مواجهتنا. في الحقيقة، لم يفعلوا أو يقولوا الكثير عن العلاقات الاقتصادية، باستثناء المطالبة بـ «العدالة الاجتماعية». لكن، من الضروري علينا أن نسأل ماذا كانوا يعنون بـ «العدالة الاجتماعية»، وما إذا كان أو لم يكن لديهم قاعدةٌ مؤسَّساتية لبناء ذلك، أو إذا كان ذلك ردَّ فعلٍ محض إزاء ما دشَّنه اقتصاد النيوليبرالية على الناس العاديين من حرمانٍ ولا مساواة رهيبة. كيف يمكن التعامل مع المظاهر المُتعدِّدة للحرمان؟

كانت قضايا المساواة أساسيةً للكثير من الثوار السابقين، لكن هذا هو ما لم يلتقطه الثوار العرب، حتى رغم أن التهميش الاجتماعي والاقتصادي كان مصدر اهتمامٍ رئيسي للناس العاديين. بدت القضايا الرئيسية التي أثارتها الطبقة السياسية العربية -ربما للحفاظ على روح عصرنا النيوليبرالي- هي تلك المُتعلِّقة بمحاسبة الحكومة، والديمقراطية، وحقوق الإنسان. عليّ أن أقول إن هذه القضايا مهمةٌ للغاية في منطقتنا. لكن هذه هي أيضًا المفردات التي تستخدمها الأنظمة الاستبدادية وحلفاؤها الغربيون، رغم ارتباطها الخفي عادةً بالتهميش الاجتماعي، والحرمان الاقتصادي، واللامساواة الرهيبة، ونظام المِلكية.

هبة: سلِّطَت أعمالك السابقة الضوءَ على دور الناس العاديين في السياسة، وفكرة أن الفقراء ينخرطون في نضالاتٍ عادية لمواصلة حياتهم ورفع مستوى معيشتهم، ثم تؤول بهم الأمور إلى مطالباتٍ استثنائية. ما الدور الذي اضطلع به الناس العاديون في إحداث الربيع العربي؟

آصف: لا يمكن أن تنجح ثورةٌ بدون أناسٍ عاديين. حتى في حرب العصابات، في حالاتٍ لا يكون المنخرطين فيها مباشرةً أكثر من مائتي شخص، لا يمكنهم كذلك أن ينجحوا إن لم يحظوا بتأييدٍ من المناطق الريفية والحضرية أيضًا. وإلا لكان مصيرهم الهزيمة. في ثورات الحاضر، كما في مصر، فإن مشاركة الناس العاديين يمكنها أن تؤمِّن بشكلٍ كبير مصالح الثوار والاحتجاجات، من خلال جعلها كما لو أنها محور انشغال الجميع وتصديرها إلى التيار الاجتماعي السائد. وأن تتحوَّل مظاهرةٌ غير اعتيادية وغير قانونية إلى حدثٍ يومي، فهذا فعلٌ مذهل. إن لم يصبح ذلك تيارًا سائدًا، فسيكون من الممكن بسهولة تحديد النشطاء غير العاديين، وعزلهم باعتبارهم أندادًا للنظام الاجتماعي ومُحرِّضين، وبالتالي قمعهم. لكن حين ترين أعدادًا هائلة من الناس في الشوارع -رجال ونساء وشيوخ وأطفال وعائلات، إلخ- فهذا يعني الكثير. مثل هذا الحضور الجماهيري في الميادين العامة يُبرِز قوة الحركة للجماهير نفسها كما لأعدائها أيضًا. لذا، نعم، الناس العاديون ينهضون بدورٍ حاسمٍ في النضالات الثورية.

ميدان التحرير

هبة: ماذا يمكنك أن تخبرنا عن النيوليبرالية والإسلام السياسي؟

آصف: لقد أثَّرَت المعايير النيوليبرالية على الطبقة السياسية ككل، بما فيها المجموعات الليبرالية العلمانية والمجموعات السياسية الإسلامية، فضلًا عن ما بعد الإسلاميين. لم يكن هؤلاء الآخرون موجودين خلال الحرب الباردة، ولغتهم في الحقيقة هي نتاجٌ لفترة ما بعد الحرب الباردة -لغة الديمقراطية والمحاسبة والمجتمع المدني والحقوق الفردية وما إلى ذلك. ولقد استخدم الإسلام السياسي مُثُلًا معينة للإنصاف والعدالة كانت واضحةً في كتابات علي شريعتي، أو في كتابات سيد قطب ومحمد باقر الصدر. وكتاب «اقتصادنا»، المُكوَّن من مجلَّدَين، لباقر الصدر، هو بالأساس معركةٌ تنافسيةٌ مع الاشتراكية في محاولةٍ لإثبات أن الإسلام أكثر عدالةً ومساواةً، وبشكلٍ ما أكثر اشتراكيةً من الاشتراكية.

وبالنسبة لـ «العدالة الاجتماعية» كان هؤلاء المنتمون لهذه الأيديولوجيا يستمدون إرشادهم من الحضور القوي للأفكار الاشتراكية خلال الحرب الباردة. لكن الأمور بدأت تتغيَّر، إذ تحوَّل الإسلام السياسي إلى اليمين بعد الحرب الباردة. أما اليوم، فإن الإسلاميين وما بعد الإسلاميين، على السواء، بالأساس يأخذون كتابات السوق الحرة وكأنها من المُسلَّمات، بدلًا من التشكيك فيها باعتبار أنها كُتِبَت في الماضي.

هبة: يستكشف كتابك الخيط الرفيع للغاية بين الأمل واليأس الذي علينا جميعًا أن نتعامل معه. ماذا يمكنك أن تخبرنا عن لحظة التحرير في ما يتعلَّق بذلك؟

آصف: خلال الثمانية عشر يومًا، حدَّدَت سياسات «التحرير» سياساتنا. لكن السؤال هو: كيف يمكن مأسسة «التحرير»، من حيث إدامته في مؤسَّساتٍ مختلفة تعمل في أوقاتٍ عادية غير استثنائية بعد الثورة؟ تساءلت أيضًا عمَّا إذا كانت ثمة محاولة لاستكشاف كيفية استدامة لحظة التحرير، أو ما إذا كان التحرير مجرد لحظةٍ عابرة في العملية الطويلة للحراك الثوري. من المهم للغاية توثيق لحظة التحرير والتفكير فيها، والتعامل معها كلحظةٍ تاريخية، وسياسية، وحتى باعتبارها مصدرًا أخلاقيًا؛ لاستخدامها في التفكير في مستقبلٍ بديل.

يقودني هذا إلى فكرة الثورة: الفكرة، والمثل، وذكرى ثورةٍ بحاجةٍ للحفاظ عليها. لا بد أن نظل نتحدَّث عنها، لا أن ننحيها جانبًا. في المقابل، علينا أن نتعامل معها باعتبارها مشروعًا غير مكتمل بعد، ربما يكون له منافذ للمستقبل. بالطبع ليس علينا أن ننتظر مستقبلًا يأتي هكذا ببساطة، بل لا بد أن نجعله المستقبل الذي نريده. إحساسي أن بعض النشطاء يفعلون ذلك؛ يقرأون ويفكرون في ما يفعلون وما لديهم وما كان ينقصهم.

إن تاريخَ بلدٍ مثل مصر ليس تاريخًا لهذه السنوات القليلة فحسب. هناك أيضًا أجيالٌ مستقبلية لا بد أن توضع في الاعتبار. وبالتالي أنا لست مُحبَطًا، رغم الظروف السياسية المُحبِطة على الصعيد العالمي. دعونا لا ننسى أنه في المنظور الأكبر للأمور، حتى في أثناء حياتنا، تأتي الأنظمة وترحل، لكن البلد والمجتمع يظلوا باقين. لذا من الضروري أن نعمل على مجتمعاتنا. إن مجتمعًا قويًا وواعيًا، يُقدِّر المساواة والتضمين والعدالة، سيكون قادرًا على الاختلاط وأقلمة النظام حتى وأعوانه. وهكذا فإن هناك الكثير من العمل لنقوم به ونفكر فيه.

Cover of Revolution without Revolutionaries by Asef Bayat

 

 

Revolution without Revolutionaries
Making Sense of the Arab Spring
Asef Bayat

SERIES: Stanford Studies in Middle Eastern and Islamic Societies and Cultures

August 2017
312 pages.
from $24.95

Cloth ISBN: 9780804799027
Paper ISBN: 9781503602588
Digital ISBN: 9781503603073

 

BUY THIS BOOK

 





Courtesy of مدى مصر
Source: https://www.opendemocracy.net/north-africa-west-asia/linda-herrera-heba-khalil/critical-voices-in-critical-times-revolution-withou
Publication date of original article: 14/12/2017
URL of this page : http://www.tlaxcala-int.org/article.asp?reference=22895

 

Tags: ثورة بدون ثوارآصف بياتالربيع العربيالثورات العربيةميدان التحريرثورات القرن 21
 

 
Print this page
Print this page
Send this page
Send this page


 All Tlaxcala pages are protected under Copyleft.