TLAXCALA تلاكسكالا Τλαξκάλα Тлакскала la red internacional de traductores por la diversidad lingüística le réseau international des traducteurs pour la diversité linguistique the international network of translators for linguistic diversity الشبكة العالمية للمترجمين من اجل التنويع اللغوي das internationale Übersetzernetzwerk für sprachliche Vielfalt a rede internacional de tradutores pela diversidade linguística la rete internazionale di traduttori per la diversità linguistica la xarxa internacional dels traductors per a la diversitat lingüística översättarnas internationella nätverk för språklig mångfald شبکه بین المللی مترجمین خواهان حفظ تنوع گویش το διεθνής δίκτυο των μεταφραστών για τη γλωσσική ποικιλία международная сеть переводчиков языкового разнообразия Aẓeḍḍa n yemsuqqlen i lmend n uṭṭuqqet n yilsawen dilsel çeşitlilik için uluslararası çevirmen ağı la internacia reto de tradukistoj por la lingva diverso

 28/02/2017 Tlaxcala, the international network of translators for linguistic diversity Tlaxcala's Manifesto  
English  
 AFRICA 
AFRICA / قضيّة جمنة : المسألة الزراعية والثورة الديمقراطية في تونس
Date of publication at Tlaxcala: 23/11/2016
Original: L'affaire de Jemna : question paysanne et révolution démocratique en Tunisie
Translations available: English  Italiano  Español 

قضيّة جمنة : المسألة الزراعية والثورة الديمقراطية في تونس

Aziz Krichen عزيز كريشان

Translated by  Mokhtar Ben Hafsa مختار بن حفصة

 

لا حديث في الأيام الأخيرة إلا عن قضيّة جمنة التي باتت  قضية خلافيّة، وغدا الحوار بشأنها حادّا ومشحونا ومتوترا. و انبرت وسائل الإعلام الموالية  تقدّم حججا واهية لا يمكن تصديقها في حملة تهدف إلى إدانة استيلاء الفلاحين على الأرض. وهي حجج تعبّر عن رغبات أصحابها أكثر ممّا توضّح حقيقة الأمور.

 ودون أن نشترك في  هذه الضوضاء ، أريد فقط التذكير ببعض المعطيات الأساسيّة قصد المساعدة على تركيز النقاش في مسائل جوهريّة تتجاوز قضيّة هذه الواحة الجنوبيّة.

http://www.tlaxcala-int.org/upload/gal_14829.jpg  http://www.tlaxcala-int.org/upload/gal_14828.jpg

 جمنة هي واحة تقع في ولاية قبلي بالجنوب التونسي. سطا عليها المعمّرون زمن الاستعمار وتمّ تأميمها سنة 1964 في إطار قانون الجلاء الزراعي. وكان سكان الواحة قد فاوضوا الوالي حول استعادتها مبرزين حقّهم في ملكية أراض نهبت منهم. وتمّ إمضاء وعد بالبيع وجمع السكان نصف المبلغ المطلوب وهو ما سمح لهم بايداع مبلغ 80 ألف دينار  كتسبقة. ثمّ أنكرت السلطات العمومية الاتفاق محوّلة المبلغ المجموع إلى أسهم لا أهمية لها في شركات نصف حكومية. وتمّ إثر ذلك منح الواحة إلى فرع من فروع شركة ستيل (الشركة التونسية لصناعة الحليب) مختص في إنتاج التمور وتصديرها. وفي سنة 2002، وعلى إثر إفلاس هذه الشركة تم تأجير الواحة لمدة 15 سنة لمستثمريْن على صلة بعائلة الطرابلسي  أصهار بن علي. وبدأ اعتصام الفلاحين بالواحة لاستردادها في 12 جانفي 2011 أي، يومين فقط قبل فرار بن علي. وتريد الحكومة اليوم استعادتها من جديد. اقرأ أيضا مقال حبيب العايب Jemna, ou la résistance d'une communauté dépossédée de ses terres agricoles

http://www.tlaxcala-int.org/upload/gal_14734.jpg

 

   1

لنتساءل أوّلا حول وضع الأراضي الدولية التي لا تمثّل فيها ضيعة جمنة سوى مساحة صغيرة، إذ تمتدّ ملكية الدولة على حوالي 800.000 هك تمثل أغلب الأراضي الأعلى خصوبة في البلاد. وكان المعمّرون الفرنسيّون أو المرتبطون بهم يسيطرون عليها قبل سنة 1956. ثمّ تمّ تأميمها سنة 1964 عبر قانون الجلاء الزراعي وأوكلت إدارتها لديوان الأراضي الدوليّة ووضعت تحت وصاية وزارة الفلاحة المباشرة .

إنّ السؤال الذي يجب طرحه هو لم تمّ الأمر على هذا النحو؟ ولمَ احتفظت الدولة بسيطرتها على هذه الأراضي؟ هل كان ذلك لرغبتها في امتلاك الأراضي الفلاحيّة وضمان حسن استغلالها؟ وهل أنّ دور الدولة أن تتحوّل إلى مالك عقاري أو مستغل للضّيعات الفلاحية؟ لقد تمّ انتزاع هذه الأراضي بالقوّة من الفلاحين من قبل مستعمر أجنبيّ. و كانت استعادتها من المطالب الأساسيّة لحركة التحرّر الوطني.

ألم يكن من الطبيعي ومن العدل والأسلم إعادتها إلى المالكين الأصليين حين استـرجعتها الدولة ؟

لقد كانت الحجّة الرسميّة التي قُدّمت في تلك الفترة، وكرّرتها بعدئذ الحكومات المتعاقبة،أنّ الفلاّحين التونسيين متأخّرون تقنيّا، وأنهم مُعدمون تعوزهم الإمكانيّات لاستغلال هذه الأراضي بكيفيّة ناجعة تضمن المردودية، في حين أن الاستغلال العموميّ لهذه الأراضي يمكنه أن يحافظ على مستوى الإنتاج ويحسّنه ومن شأنه خلق القيمة واستغلال فائضها فيي تمويل الاقتصاد.

بيد أنّ هذه الحجة لم تصمد، إذ أكّدت الوقائع وهنها ! نضرب مثلا على ذلك فترة التعاضد القسري القصيرة (1965 – 1969)، التي شهدت انهيارا كبيرا في الإنتاج الفلاحي، وعرفت خلالها نتائج الاستغلال العمومي للأراضي الدولية عجزا منكرا. وليس هذا ادعاء مجانيّا،فقد تواصل النزيف بعد ذلك، تؤكده حسابات ديوان الأراضي الدولية التي تنشر سنويّا دون أن تسجل منذ 1970 فائضا ولو في موسم واحد. إنّها فضيحة تستمر منذ نصف قرن ويشهد ديوان الأراضي الدولية عجزا مزمنا يأخذ في الاتساع سنة بعد أخرى.

إنّ استغلال هذه المساحات الزراعية من قبل ديوان الأراضي الدوليةــــــ عوض تطوير فلاحة عصريّة وناجعة وذات مردودية ـــــ لم ينتج سوى العجز محمّلا بذلك ميزانية الدولة أعباء إضافية. والأخطر من ذلك أنّه أنشأ نظام فساد في كلّ مستويات التراتبية البيروقراطيّة القائمة.

إنّ هذا الفساد المتوسّع ليس حادثا عرضيا ناجما عن التصرّف العمومي في الأرض بل هو نتيجته المحتومة بما أنّه في حماية نظام سياسي -خصوصا منذ وصول بن علي إلى السلطة- متواطئ مع أوليغارشية من رجال أعمال مافيوزيين. وهي أوليغارشية تتعارض مصالحها مع مصالح الدولة والبلاد.

و لسنا نشك أنّ هذه الحقيقة المزعجة سبب الحملة المسعورة  ضدّ استعادة سكان الواحة لضيعة جمنة، فقد خلقت سابقة لا تحتمل ،حين غدت فجأة تحقق أرباحا بمجرّد أن وضع السكان أيديهم عليها و ضمنوا لها تسييرا شفافا.  

كابتشينو وفاء لجمنة : انجاز مهدي من الحامة. ونشرت على فايس

            2

ولم تكن سيطرة الفلاحين على الضيعات الدولية ، منذ سنة 2011، مقصورة على ضيعة جمنة الجنوبية، بل شمل عشرات المناطق الزراعية الأخرى التي تتوزع على مناطق مختلفة في البلاد.  لقد آن الأوان أن نتساءل : لماذا اقتصرت هذه الظاهرة على الأراضي الدولية ولم تشمل إطلاقا أراضي يملكها فلاحون خواصّ مهما كانت مساحة أراضيهم واسعة؟؟ إنّ ذلك يعني أنّ الأمر لا يتعلّق بتجاوزات فوضوية لمن تقاسموا السّيطرة على الضيعات، وليس هجوما على الملكية العقارية الكبيرة باعتبارها كذلك وإنّما هي حركة إعادة تملّك تستهدف بشكل خاص الأراضي الدولية دون سواها.(1)

توهّم كثيرون أنّ الثورة التي أطاحت ببن علي كانت مجرد ثورة سياسية، وأنّها تُختصر في تغيير بسيط للفريق الذي يقود البلاد. و هذا تحديدا ما يبدو أنّه رأي غالبية أحزاب المعارضة القديمة ،ولكنّهم يرتكبون خطأ فادحا. فالثورات الحقيقية، سياسية بالفعل ولكنّها بالخصوص اقتصادية واجتماعية إذ تهدف إلى تنظيم جديد للاقتصاد والمجتمع بطريقة تلبّي حاجيات أكبر عدد ممكن وتشجع على تنمية الثروة الوطنية عبر إلغاء الامتيازات غير الشرعية وغير المنتجة التي كانت تحتكرها أقليّة ما.

فقد استندت الانتفاضة التونسية إلى أربعة دعائم رئيسيّة ، وهي المناطق الريفية وسكان الأحياء الشعبية الهامشية والأجراء والطبقات المتوسطة. ولقد عبّرت كل فئة عند مشاركتها في الانتفاضة عن مطالب خصوصية. و لا ينبغي الاعتقاد أنّ عدم وجود قوّة سياسية حاليا تأخذ هذه المطالب بعين الاعتبار وتدرجها في برنامج متناسق يلغي وجودها في الواقع . (2)

إنّ أسباب عدم رضى الفلاحين الذين دفعهم النظام القديم إلى العيش في ظروف مزرية، عديدة ومبرّرة.. وأحد هذه الأسباب – ولعلّه أهمّها - متعلّق بالأرض وبالخصوص استعادة الأراضي التي نهبت منهم من قِبل المستعمر و كرّست الدولة الوطنية سلبهم الأرض وحرمانهم من حيازتها عوض إعادتها إلى مستحقّيها الطبيعيين.

إن مسألة الأرض تطرح باستمرار في تاريخنا الحديث، و تطرح دائما في إطار المواجهة مع النظام السّياسي. ففي ظل نظام البايات قبل الاحتلال الفرنسي، بلغ الإقصاء حدوده القصوى إذ كان الفلاحون محرومين من تملّكِ  الأرض التي يعملون بها. إنّ ذلك مثّل سمة بارزة لنظام البايات.

فقد كان كلّ باي يصل إلى العرش يصبح بحكم الأمر الواقع '' مالكا للإيّالة التونسية'' وكانت البلاد بأسرها تعتبر ملكية خاصة له بما فيها من أراض وسكان. لقد كانت البلاد ملكية للباي يتصرّف فيها كما يشاء لتحقيق ثروته و لتوفير قاعدة اجتماعية لهيمنته في ذات الوقت. إذ كان الباي يستغل عددا من الأراضي الفلاحية لحسابه الخاص ويوزّع البعض الآخر على أتباعه حفاظا على ولائهم له. إنّ هذه التنازلات (إقطاع) لم تكن أبدا تمنح بصفة نهائية فما يقدّمه الباي يوما يمكنه استعادته يوما آخر ويمنحه إلى أتباع آخرين.

أمّا الفلاحون، فلم يكونوا معنيين بهذه الأحداث و ظلوا متعلّقين بأراضيهم إذ لا يتغيّر إلاّ السادة المشرفون على تلك الأراضي وفقا لحسابات الباي السياسية و لأهوائه . واشتغال هؤلاء الفلاحين في الأرض جيلا بعد جيل لم يتح لهم أي حقّ فيها وخصوصا الحقّ في امتلاكها.

في مثل هذه الظروف، ظل الباي هو المالك الأبرز للأرض وللناس ولم يكن ممكنا أن تظهر الملكية الخاصة أو أن تتطوّر في غير الهامش الذي تسمح به فجوات النظام. وقد سهّل هذا الغموض القانوني بشكل كبير سلب الأراضي من المعمّرين زمن الاحتلال. فلم تكن للسكان رسوم ملكية أرض لضمان حقوقهم واستفاد المستعمر من وضعية انعدام الملكيّة وهو ما سمح لسلطاته بتوزيع الأراضي على المعمرين الذين حصل عدد كبير منهم على أراض شاسعة وحوّلوا ملكية الأرض إليهم.

لقد تصرّفت فرنسا مع الفلاحين تماما مثل الباي ، فالبلاد ملك من أملاكها ويمكنها أن توزّع الغنائم كما تشاء. وأعاد بورقيبة السلوك نفسه عند تأميم الأراضي التي كانت تحت سيطرة المعمرين سنة 1964 حتى وإن لم يكن هدفه ثراءه الشخصي ولا ثراء المحيطين به خلافا لجل البايات السابقين.        لقد أراد بورقيبة أن تكون الأراضي للدولة في أفق تعصير سلطوي للاقتصاد والمجتمع. لقد كان استبداده ''مستنيرا''. لكنه يبقى على أيّ حال استبدادا فليس هو سوى نظام سياسي تكون فيه السلطة السياسية كل شيء، و يكون المواطنون لا شيء.

إننا نذكّر بهذه المعطيات التاريخية لإنارة النقاش الدائر حاليا بإبراز الاختلاف الجوهري الذي يميز الديكتاتورية عن الديمقراطية. فنحن جميعا جربنا الديكتاتورية ، ولكن لا يبدو أنّ الأحزاب التي تحكمنا اليوم تعرف حقا الديمقراطية. ذلك أنّ الديمقراطية لا تعني تلاشي دور الدولة،ولكنها تفرض تحويل هذا الدور على نحو تكون فيه الإدارة في خدمة المجتمع عوض أن تهدف إلى إخضاعه لحكمها المطلق.

ولا يمكن مطلقا تصور الديمقراطية دون استقلال الجسم الاجتماعيّ الذي يتحقّق أوّلا باستقلاله اقتصاديّا، وهو ما يفترض تمكين أكبر عدد من الناس من التملّك، فلا تتحقق الديمقراطية دون مجتمع مدني ولا وجود لمجتمع مدني ما دام المواطنون المكوّنون له – أو جلّهم- ليسوا سادة شروط وجودهم المادي. فالمواطنة لا يمكن أبدا أن تبنى على الإقصاء.

ولا يحقّ  للدولة في الديمقراطية، أن تتدخّل بين الأرض ومن يفلحها مثلما لا يحقّ لها منعه من أن يكون مالكها. وفي الديمقراطية ليس منْ حق الدولة أن تكون المالك العقاري الذي يحتكر أفضل المساحات الزراعية في البلاد أيّا كانت الذرائع القانونية أو الأيديولوجية التي تتعلل بها.

بل إنّ الديمقراطية تفترضُ ، حين تكون القوانين السائدة معيقة لتملك الفلاحين الأرض – وهي حالة مازالت مستمرة في الفترة الانتقالية باعتبار أنّ هذه القوانين موروثة عن النظام القديم – أن تبادر إلى تغييرها لا أن تواصل اعتمادها و قمعَ من يرفضها. فالفلاحون بسيطرتهم على الأراضي الدولية ،لا ينتهكون القانون إنّما يقيمونه.

وفاء لجمنة. من ابداع الفنان السوري ياسر أحمد

3

تمرّ تونس بأزمة حادة تتجلّى في كل ملامح حياتنا الجماعية. وهي أزمة تعبّر عن إفلاس منوال تنموي وبخاصة ما يتصل منه بالفلاحة. فحين نتدبر الأمر نرى أنّ معظم الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية ترتبط بالفقر والتهميش في الريف بسبب السياسة الزراعية الرسمية.

-       يتضح ذلك أوّلا في عدم كفاية الإنتاج الفلاحي نفسِه، وخصوصا النقص في الحبوب باعتبارها أساس الغذاء الشعبي (الخبر والسميد والعجين والدقيق...) إذ يبلغ استهلاكنا السنوي لمشتقات الحبوب 30 مليون قنطارا في حين تتراوح محاصيلنا بين 10 و 20 مليون قنطارا. وهكذا يبلغ عجزنا (حسب المواسم) ثلث احتياجاتنا ويصل أحيانا إلى الثلثيْن. وهو ما يعني أنّنا أبعد ما نكون عن تحقيق اكتفائنا الذاتي الغذائي الذي نعلم جيّدا أنّه الشرط الأوّل لاستقلال بلد ما. ولا يمكن تقديم تفسير أحاديّ لهذه النتائج السيّئة (الجفاف أو نوعية التربة أو الطرق الزراعية أو الاحتكار العمومي لأفضل الأراضي الخ) ولكن ذلك يعود إلى عوامل عديدة. و أحد هذه العوامل يلعب دورا رئيسيا في  تفاقم التداعيات السلبية للبقية : إنّه سياسة الأسعار.           فمنذ سنة 1956 تحتكر الدولة تحديد سعر بيع القمح والشعير وظلت هذه الأسعار منخفضة للغاية وهو ما جعل هذه الزراعات غير مجزية وقليلة الأرباح وهو ما ضاعف معاناة الفلاحين      و زاد ظروفهم هشاشة . صحيح أن الأمطار مرتبطة بالعوامل المناخية، لكنّ الأسعار مسألة حكومية. فلماذا يتمّ تحديدها بهذا السعر المنخفض للغاية؟ إنّنا نرى السبب متصلا بالزبونية السياسية لأنّه منذ سنة 1956 تمّ تحسين القدرة الشرائية في الفضاء الحضري على حساب الأوساط الريفية فكان لا بدّ أن يندلع انفجار ديسمبر 2010 من الولايات الفلاحية.

-       و مظهر الأزمة الثاني يتمثل في توسع الاقتصاد الموازي. فتفقير الفلاحين المستمر ،تنجر عنه حركة هجرة داخلية دائمة من الريف إلى المدينة. وليس هذا النزوح ــــ كما تزعم الدعاية الرسمية علامة على حيوية الاقتصاد الحضري وجاذبيته ــــ بل هو دليل على عجز الاقتصاد الريفي على استبقاء أبنائه و على توفير لقمة عيشهم. فالفلاحون يغادرون الريف غير أنّ المدينة لا تستقبلهم ولا تحتضنهم إذ يعجز أغلبهم عن توفير السكن والشغل. لذلك يضطرون إلى الإقامة في أحزمة المدن التي سرعان ما تنقلب عشوائيّات غير صحية،و ينشطون ضمانا للبقاء في دائرة الاقتصاد الموازي مثل التجارة السرية والتهريب عبر الحدود والاتجار بالمواد غير المشروعة الخ.

   و يمثّل الاقتصاد الموازي حوالي 50 % من الناتج الداخلي الخام حاليّا . وإذا كان النزوح في البداية حلا بالنسبة إلى سكان الريف الذين لا موارد لهم، فإنّ تعاظم هذه الظاهرة بات يمثّل تهديدا مباشرا للصناعة الوطنية بما أنّ أكثر بضائع السوق الموازية متأتية من الخارج (الصين، إيطاليا، تركيا)

-       و في مستوى ثالث ، تبدو نتائج سياسة الدولة الزراعيّة في مجال حيوي آخر و هو التأجير في قطاعيْ الصناعة والخدمات وخصوصا الإدارة. فالأجر الزهيد للعمل الفلاحي يسمح لها بالحفاظ على أجور منخفضة جدّا في الاقتصاد غير الفلاحي كذلك. مثال ذلك، أنّ الأجر الأدنى الصناعي في تونس اليوم يساوي قرابة نصف مثيله في المغرب أمّا إذا قارناه بمعدّل الأجر الصناعي الأدنى في أوروبا فإنّ النسبة لن تتجاوز  10 %..

       إنّ سياسة الأسعار في الاقتصاد الفلاحي، وخصوصا أسعار الحبوب، ترتبط مباشرة بسياسة الأجور في الاقتصاد الحضري. فما نشهده هو إطعام أكبر عدد ممكن من أجراء المؤسسات والإدارة بأقلّ تكلفة دون الأخذ بعين الاعتبار الضرورة أو العقلانية الاقتصادية. إنّ نفس الأسباب تؤدي إلى نفس النتائج، فسياسة الأسعار أدّت إلى تحطيم تطور اقتصادنا الريفي وسياسة الأجور أدّت إلى تحطيم اقتصادنا الحضريّ. إنّ سياسة التأجير المنخفض ولّدت في القطاعين تهاوي قيمة العمل وأدى ذلك في كل المجالات إلى انخفاض الإنتاجية والمردود. إنّ هذه السياسة كانت مدخل الفساد في كلّ المجالات ، بأشكال متعدّدة لتعويض نقص المداخيل الشرعيّة .

ـــــ رابعا ، تَظهر نتائج السياسة الزراعيّة أيضا في الضغوط التي تواجهها الأنشطة غير الفلاحية بسبب النتائج المتراكمة للعوامل السابقة. إذ يفترض تطور القطاع الثاني (الصناعة) والثالث (الخدمات) وجود طلب واسع ( مستهلكون يتوفر لديهم قدرة شرائية حقيقية) ويستتبع ذلك إذن سوقا داخلية فسيحة تتسع لاقتصاديات من الحجم الكبير وتعزز التنمية وتطور نمط المؤسسات.

لقد ظل الطّلب على المنتجات الصناعيّة والخدماتيّة محدودا لأسباب هيكليّة. فقاعدتنا الديموغرافية محدودة بطبعها إذ لا تتجاوز 12 مليون ساكن، إضافة إلى عدد المعطلين وضآلة عائدات الفلاحين وتعاسة سكان أحزمة المدن،وكذا الكتلة الكبيرة للأجراء (يمثل هؤلاء مجتمعين أكثر من 80 % من السكان) ، لهذه الأسباب ،تضطر مؤسساتنا أن تتنافس في سوق ضيقة وهو ما يمنع جلّها من كلّ أفق لتقدّم تكنولوجي ونموّ مطّرد. أمّا تلك التي تلتجئ إلى التصدير هروبا من ضيق السوق المحلية فتعترضها صعوبات أخرى. وقد ينجح بعضها، خصوصا في أنشطة المناولة، لكنها تفشل في التوجه نحو الخارج بشكل دائم دون أن تتوفر على قاعدة صلبة للتراكم على الصعيد الوطني.

-       إنّ هذه الأعطال المختلفة للنظام الاقتصادي خلقت محيطا أنشأ أصحاب أعمال متنفّذين       و كتلا مافيوزية سرعان ما تنامت ، وليس أثرهم خافيا اليوم في مجالات حياتنا الوطنية. فلقد استفادوا من حماية النظام السياسي، ومن هشاشة الحركات الاجتماعية الفلاحية، و من حال مهمشي أحزمة المدن، والأجراء وأصحاب المؤسسات المتوسطة والصغرى، حتّى تعاظم الفساد تدريجيا فبات آفة تهدد فعلا مساحات كبيرة من المجتمع والمؤسسات الرئيسية : الإدارة المركزية والمحلية والعدالة والدّيوانة والإعلام والبنوك العمومية.. الخ

بلغت هذه الآفة التي ظهرت منذ سبعينيات القرن الماضي في ظل حكومة نويرة أوجها مع بن علي حين كانت عائلة الطرابلسي تتحكم في مقاليد الأمور، ولم تقض الهبّة الشعبية في 2010 – 2011 على الظاهرة فلم تزد عن إرباكها مؤقتا،قبل أن يتجدّد هذا الانحراف على نحو أخطر ليتفاقم الانهيار الاقتصادي ويظلل حياة  الناس اليومية .

4

إنّ النظام اقتصادي، لو عدنا إلى القواعد الأساسية، وجدناه مجموع علاقات، فهو بمثابة هيكل بناء تترابط فيه كل الأجزاء. و كنّا بيّنّا أنّ السياسة الزراعيّة أدّت إلى الهجرة من الريف وإلى التجارة الموازية ورأينا كيف دفع ذلك إلى سياسة الأجور المنخفضة. وأثبتنا أنّ هذه العناصر مجتمعة، تساهم في إعاقة تطوير مؤسساتنا و تفسح المجال أمام تكوّن أوليغارشية أعمال مافيوزية.

لقد استعرت عبارة هيكل البناء وهي صورة تعني هيكلا خاصا إذ يتعلّق الأمر بنوع من الحلقات المفرغة فكل سهو أو خطإ يرتكب في نقطة ما من الدائرة، من شأنه أن يتضخم في كل النقاط الأخرى. هذا هو النظام الفاسد الذي استهدفتْه الهبّة الشعبيّة. فسقوط النظام الذي طالب به المتظاهرون يهدف إلى تفكيك هيكل البناء القديم وتعويض الحلقات المفرغة بأخرى فعّالة. ووفق هذا المنظور نفهم طابع المسألة الزراعية  الاستراتيجي. إنّها أصل كل ما تبقّى، وهنا تكمن العقدة المستعصية.

إنّ الأساس الاقتصادي للنظام القديم قائم على تفقير الفلاحين المنهجي. ولا بدّ  للنظام الديمقراطي أن يقوم على سياسة تعيد إلى الفلاحين حقوقهم وتجعل خدمة الأرض مجدّدا عملا مجزيا ومنتجا لأكبر عدد ممكن منهم. وحين نبدأ بهذه المعالجة ، نمنح بلادنا إمكانيات تتيح تفكيك باقي أسس النظام القديم تدريجيا، للنهوض بباقي القطاعات و تذليل الصعوبات.

إنّ حلّ المسألة الزراعية هي قلب الثورة الديمقراطية. فعند إلغاء الاحتكارات الاعتباطية مثل احتكار الدولة للأراضي الأكثر خصوبة، واحتكارها تحديد أسعار الحبوب... الخ ،  لا ندمج فقط المجال الريفي في اقتصاد السوق، بل نمكّنه من القاعدة الدّيموغرافية الضروريّة لاشتغاله. وحين نطور الإنتاج الفلاحي و نحسّن مداخيل الفلاحين، تتوفر لدينا رافعة أساسية لزيادة الإنتاج في كل القطاعات الأخرى للاقتصاد وأن نحسّن القدرة الشرائية لكل الفئات الاجتماعية الأخرى. إنّ الديمقراطية يمكن إحلالها في بلد يهيمن عليه الفقر، ولكن لا يمكن المحافظة عليها بلا مخاطر إذا استمرّ تعميم الفقر.

هكذا يبدو حلّ المسألة الزراعية مَعْبَرا ضروريا لا يمكّن فقط من تجاوز أزمة المنوال الاقتصادي القديم، بل يضمن كذلك استقرارا طويل المدى للنظام السياسي الجديد. إنّ العقبات التي يجب تخطّيها كثيرة ومعقّدة وقد أكّدنا بالخصوص على مسألة الأراضي الدولية وعلى سياسة الأسعار بالنسبة إلى زراعة الحبوب بيْد أنّ هناك تحدّيات أخرى كثيرة تتحتّم مواجهتها.

و من هذه التحدّيات ، يمكن أن  نذكر على نحو إجماليّ ، مشكل الموارد المائية الذي كنا قد أشرنا إليه أو مسالك التوزيع حيث تعشش مافيا من الوسطاء كالدود الذي ينخر بلا هوادة المنتجين الفلاحيين وكذا المستهلكين الحضريين، إذ تهيمن اليوم شبكات على كلّ أسواق الجملة في الجهات. هذا فضلا عن مشكل البنية التحتية العويص تبعا لنقص الطرق البرية و الخطوط الحديدية والنقص الحاصل في القدرة على التعليب و محدوديّة طاقة الخزن في المخازن المبرّدة ونقص وسائل النقل الملائمة ... الخ.

و هناك أيضا قضيّة التشتّت المخيف للملكية الصغرى، وهذا أمر ذو أهمية كبرى فيما يخص أفق استعادة الأراضي الدولية، إذ يمكن لهذه الاستعادة أن تساهم في الحد من الظاهرة، أو على العكس فقد تضخمها.. ففي صورة توزيع لا يقوم على التمييز، سنحتاج إلى التحكيم الأفضل بين ضرورتين ليس من اليسير المصالحة بينهما : ضرورة العدل وضرورة النجاعة. و من البديهي أن حكومة قوية تتوفر على شرعية شعبية صلبة ، وحدها يمكنها أن تفرض مثل هذا التحكيم.

من الواضح  أنّ العمل الذي يجب استكماله لإعادة الريف التونسي إلى مداره ضخم ،و واضح أيضا أنه يتطلّب استراتيجية يتم التفكير فيها جيّدا، مثلما يستوجب تعبئة كبيرة للمعنيين بالأمر في المقام الأول . فهل ترتقي السلطة الحالية إلى مستوى تحقيق هذه المهام؟ إنّ ردود فعلها إزاء قضيّة جمنة لا تبعث غير الشك !

الحقيقة أنّنا إزاء احتماليْن  :

ـــ فإمّا أن نبذل الجهد للاستماع إلى المطالب المشروعة للفلاحين،،

ـــــ وإمّا أن نستمرّ  في صم آذاننا عن مطالبهم و نستشرس في المحافظة على الوضع القائم.    

وفي الحالة الأولى فإنّ البلاد ستتقدم في إطار الوحدة بمسؤولية وانضباط و تتعزز القواعد المادية للديمقراطية بأقل التكاليف. أما في الحالة الثانية فستنقسم البلاد وسيؤجج القمع وتيرة الفوضى والإخلال بالنظام وستتراكم الخسائر.

في النهاية، ورغم كلّ شيء، وفي الحالين، فإنّ التغيير سيكتمل لأنّ التغيير أصبح في أعماق الجسم الاجتماعي ولا شيء مثلما لا أحد بمقدوره مستقبلا أن يوقفه.                                                                     

 إنّ قتال الكتيبة الرجعية لن يمنع عجلة التاريخ من الدوران!

 

 ملاحظات

(1)    نفس الأمر فيما يخص الأعمال الهمجية التي استهدفت الممتلكات والتي تمّ تسجيلها أثناء انتفاضة ديسمبر 2010 – جانفي 2011، فهي لم تستهدف أبدا الأغنياء باعتبارهم أغنياء بل فقط أولئك الأغنياء الذين كانوا مقربين من دائرة بن علي والذين كانت ثرواتهم متأتية من الابتزاز والمحسوبية التي كان هذا التقرب يسمح بها.
(2)    عزيز كريشان، وعد الربيع صص 388 – 416. منشورات سركيبت، تونس 2016.

 

http://www.tlaxcala-int.org/upload/gal_14733.jpg http://www.tlaxcala-int.org/upload/gal_14736.jpg

اضغط على الصور لفتح صفحة جمنة على الفايسبوك

 

 





Courtesy of تلاکسکالا
Source: http://bit.ly/2fCfWYN
Publication date of original article: 31/10/2016
URL of this page : http://www.tlaxcala-int.org/article.asp?reference=19336

 

Tags: جمنة تونس نضال الفلاحينإدارة الذاتية
 

 
Print this page
Print this page
Send this page
Send this page


 All Tlaxcala pages are protected under Copyleft.