TLAXCALA تلاكسكالا Τλαξκάλα Тлакскала la red internacional de traductores por la diversidad lingüística le réseau international des traducteurs pour la diversité linguistique the international network of translators for linguistic diversity الشبكة العالمية للمترجمين من اجل التنويع اللغوي das internationale Übersetzernetzwerk für sprachliche Vielfalt a rede internacional de tradutores pela diversidade linguística la rete internazionale di traduttori per la diversità linguistica la xarxa internacional dels traductors per a la diversitat lingüística översättarnas internationella nätverk för språklig mångfald شبکه بین المللی مترجمین خواهان حفظ تنوع گویش το διεθνής δίκτυο των μεταφραστών για τη γλωσσική ποικιλία международная сеть переводчиков языкового разнообразия Aẓeḍḍa n yemsuqqlen i lmend n uṭṭuqqet n yilsawen dilsel çeşitlilik için uluslararası çevirmen ağı

 25/06/2019 Tlaxcala, the international network of translators for linguistic diversity Tlaxcala's Manifesto  
English  
 UNIVERSAL ISSUES 
UNIVERSAL ISSUES / فوضى وهيمنة
كيف تهيمن امبريالية الدور الأمريكي على العالم
Date of publication at Tlaxcala: 14/05/2015
Original: امپریالیسم نفت محور دولاری
Translations available: Deutsch  Español  Français  English 

فوضى وهيمنة
كيف تهيمن امبريالية الدور الأمريكي على العالم

Mohssen Massarrat محسن مسرت

Translated by  Mohammed Abu Zaid محمد ابو زید

 

 

 
مع حصول انتخابات الكونغرس في الخريف، يكون "عهد" باراك أوباما قد دخل مرحلته الأخيرة. وقد كان أوباما قد أثار بعد تبوؤه منصب الرئيس بوقت قصير ضجة كبيرة، عندما نادى بِقرن [المحيط] الهادئ/ الباسيفيك الجديد. إلا أننا في غضون ذلك، سنتان غير ناقصتين قبل نهاية فترة ولايته الثانية، بتنا نرى الأمور بشكل أكثر وضوحاً؛ ففي المقام الأول هدف الإعلان عن توجه جديد مزعوم في اتجاه المحيط الهادئ إلى الضغط على أوروبا، وهنا بالذات على ألمانيا، بغية ملئ الفجوة الأمنية المتخيلة.[1]
 
 
إلا أن الصدارة لا يحتلها فعلياً لا [المحيط] الهادئ/ الباسيفيك ولا حتى "العالم (الأوروبي) القديم"- بالرغم من أزمة القرم-، بل بقي التربع على هذا المقام من نصيب الشرق الأدنى والأوسط، خاصة وأن مصيره يحدد مستقبل السيطرة الأمريكية صعوداً أو هبوطاً. فاهتمام أمريكا بهذه المنطقة قديم قدم اكتشافات النفط الضخمة هناك- ولكن ليس بالذات، كما يتم عموماً الافتراض بشكل خاطئ، لغرض سد احتياجها الذاتي من النفط. فالولايات المتحدة، وبفضل مصادر الطاقة المحلية الهائلة، كانت قد أصبحت مع بداية القرن الماضي غير معتمدة على استيراد النفط. وهي حالياً على وشك أن تصبح مجدداً مكتفية ذاتياً وذلك من خلال استخدام تقنية التصديع المائي (لاستخراج النفط) Frackingعلى نطاق واسع. وكدولة مهيمنة جديدة بعد الحرب العالمية الثانية، ما لبث الأمريكيون أن أدركوا سريعاً أن بإمكانهم جعل دولاً عظمى منافسة تعتمد عليهم، في حال سيطروا على الشرق الأوسط باحتياطه الهائل من النفط- وبالتالي على عصب الاقتصاد العالمي. ففي الأصل كانت الولايات المتحدة، جنباً إلى جنب مع المملكة العربية السعودية حليفها الأساسي في المنطقة، قد أقامت نظام إمداد كوني للنفط مناط به ضمان تامين الطاقة للغرب والصين ودول البريكس* [BRICS]. وفي إطار هذا النظام تكفلت المملكة العربية السعودية بفائض إنتاج °مستمر. وبفضل هذا النظام الموجه سياسياً من قبل الولايات المتحدة، تمتع، الحلفاء الغربيون وخصوم الولايات المتحدة على حد سواء، بإمداد نفطي لا يعترضه عائق وبأسعار منخفضة- كل هذا بالرغم من العديد من الاضطرابات السياسية خلال مجمل النصف الثاني من القرن الماضي. وفي ذات الوقت تم التعامل بالدولار الأمريكي المرتبط بسعر النفط، كونه احتياطي العملة الكوني.

 إلا أنه وفي مطلع القرن الواحد والعشرين، حين بدأ العملاقان الاقتصاديان الجديدان الصين والهند مدفوعان بعطش حاد نحو الطاقة، بأخذ زمام أمور إمدادات الطاقة بيديهما، ما لبث أن انهار نظام النفط الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. إثر ذلك بدأت أسواق النفط تلتزم بقوانين التسعير الخاصة بالسلع القابلة للنضوب، لترتفع بالتالي أسعار البترول بشكل حاد، بحيث باتت منذ ذلك الحين تسترشد بآليات السوق.[2] ولكنها سخرية التاريخ: فإذا كانت الولايات المتحدة بفقدانها القدرة على توجيه أسعار النفط قد فقدت إحدى رافعاتها المركزية السياسية، فإنها لم تلبث، وبالذات من خلال الأسعار الجديدة الناشئة في السوق العالمي، أن عادت فعززت هيمنتها بشكل شديد ولكن بطريقة أخرى؛ فأسعار النفط المرتفعة ضاعفت من النسبة المئوية لتجارة النفط من مجمل التجارة العالمية متسببة في ازدياد حاد في الطلب على الدولار والسندات الحكومية الأمريكية- وبذلك يصبح الدولار، كاحتياطي عملة، غير قابل للهزيمة على المدى المنظور.
 
إلا أن الهيمنة الفعلية للولايات المتحدة لا تزال تقوم على التالي: فمن خلال البعث من جديد وبشكل غير محدود للدولار كاحتياطي عملة كونية، تمتلك الولايات المتحدة، كاقتصاد وحيد في العالم، القدرة على تمويل- وفي ذات الوقت- عدة مشاريع ضخمة- على غرار تأميم البنوك وتغطية مصاريف تسلح عملاقة، أي من خلال مديونية الدولة وإصدار سندات حكومية. وما من شك في أن ليس هناك من اقتصاد وطني آخر كان بإمكانه بعد الانهيار المالي الذي حصل عام 2008 تجاوز أزمة البنوك بقواه الذاتية دونما عواقب خطيرة. إلا أن مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية Federal Deposit Insurance Corporation (FDIC)، التي يشكل أساسها المالي في جوهره بالذات السندات الحكومية الصادرة عن وزارة المالية الأمريكية، قدمت إلى الولايات المتحدة رأس المال اللازم. ف FDICهي مؤسسة أقيمت بشكل خاص من قبل الكونجرس الأمريكي "بغية خلق استقرار و[إرساء] ثقة الجمهور في المنظومة المالية الوطنية". واقع الأمر أن الولايات المتحدة كانت قد قامت عام 2009 بتأميم ناجح للبنوك المتداعية للانهيار بغية التخلص من ديونها ليتم في النهاية إعادة تخصيصها، في حين أن أزمة البنوك في الاتحاد الأوروبي تحولت في غضون ذلك لتصبح أزمة مديونية دولة.
 
ومع ذلك فإن المعطيات الاقتصادية الكونية للولايات المتحدة بعيدة كل البعد عن أن تكون مشرقة: فالميزان التجاري الأمريكي يُظهر منذ العام 1987 عجزاً متواصلاً بلغ خلال أل 26 سنة هذه 9627 بليون دولار أمريكي. ويعود السبب في ذلك إلى أن الاقتصاد الأمريكي، لم يعد قادراً، جزئياً، على المنافسة في وجه منافسيه الرئيسيين- الاتحاد الأوروبي والصين واليابان. إلى ذلك يُضاف عجز يتزايد بشكل مزمن في الميزانية مرده نفقات التسلح المتصاعدة بشكل مفرط. فمن خلال تطبيق سياسة منح السندات الحكومية والنقد / الأوراق المالية المتولدة عنها المطبق منذ عقود، "تحل" الحكومات الأمريكية المختلفة كلا المشكلتين- عجز الحساب الجاري وبالتالي العجز المستمر في التصاعد في الميزانية.
 
ومن ناحية فنية يتم تطبيق كلا هاذين الهدفين على النحو التالي: بغية دفع مصاريف الدولة الجارية، تقوم وزارة المالية الأمريكية بتبديل السندات الحكومية لدى البنك المركزي الأمريكي/ نظام الاحتياط الفيدرالي FEDمقابل الدولارات المطبوعة حديثاً من قبله. ففي العام 2013 فقط تم تداول 1100 بليون دولار بهذه الطريقة. بدوره يقوم البنك المركزي الأمريكي/ FEDبتسويق السندات الحكومية في السوق العالمي موجهاً بذلك، وبشكل مستمر، رأس مال جديد نحو الاقتصاد الأمريكي، ومعوضاً عجز الحساب الجاري. أما ثمن سياسة توليد النقد هذه فهو مديونية الحكومة الأمريكية التي ارتفعت بين الأعوام 2003 و 2013 من 6731 إلى 17556 بليون دولار. وهكذا تكون نسبة الإنفاق الحكومي المئوية قد ارتفعت في نفس الفترة الزمنية من 60 إلى 108 % (للمقارنة: في الاتحاد الأوروبي ارتفعت النسبة "فقط" من 60 إلى 87 %).
 
فلا عجب إذاً أن اقتصاداً من هذا القبيل يعاني من عجز في الحساب الجاري وفي الميزانية قد تحول إلى اقتصاد- فائض استهلاكي- مصحوبٍ بأكبر مديونية دولة عبر التاريخ. ففائض الاستهلاك هذا بلغ بين السنوات 2001 و 2013 فقط ما مجموعه 11550 بليون دولار. وبصريح العبارة يعني ذلك: يتدفق سنوياً، في المعدل، رأس مال مماثل ذو أداء اقتصادي حقيقي من جميع أنحاء العالم بقيمة 962,5 بليون دولار إلى الولايات المتحدة، في حين تكتفي الأخيرة بطباعة نقد جديد ووضعه حيز التداول.
 
وحتى تتضح الأمور بشكل أكبر، فقد شكلت رؤوس الأموال المتدفقة إلى الولايات المتحدة في العام 2012 والتي بلغ حجمها 1250 بليون دولار 7,9 % من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي. كما يوضح أيضاً رأس المال (Capital stock) هذا المتدفق بشكل إضافي إلى الاقتصاد أن معدل التوفير في الولايات المتحدة قد انخفض خلال هذه الفترة الزمنية بشكل دراماتيكي. فالأمريكيون استهلكوا تقريباً جميع ما أنتجوا من سلع وخدمات، في حين تكفل باقي العالم بالاستثمارات بغية إبقاء اقتصاد أمريكا حياً يرزق.
 
 
واقع الأمر أن الولايات المتحدة باتت تشبه أكثر فأكثر الدول العربية الريعية. إلا أن الولايات المتحدة تستخدم بدلاً من النفط الدولار، ذلك احتياطي العملة الدولي، كرافعة للاستيلاء على القوة الشرائية الكونية. ففي حين تقوم المملكة العربية السعودية بتصدير النفط على الأقل مقابل دفعات مالية تقدمها أمم أخرى، تضخ الولايات المتحدة الورق فقط في دورة المال العالمية.

الدولار كرافعة

يعود السبب في ذلك إلى ما يلي: لا يزال يجري تداول الجزء الأكبر من التجارة العالمية بالدولار. ولذلك فإن الطلب الدولي على الدولار كبير جداً، وهو ينمو بذات المقدار الذي تنمو به التجارة العالمية. ومن هنا تستطيع الولايات المتحدة وبمساعدة FEDأيضاً أن تطرح وباستمرار دولارات للتداول بغية المشاركة في تمويلالعجز في الحساب الجاري وفي الميزانية (وفي النهاية مديونيتها كدولة والمتصاعدة باستمرار أيضاً). من طرفه أيضاً لا يشعر روجر مايرسون Myerson الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد بالقلق تجاه ديون الولايات الأمريكية، لأن، هكذا مايرسون: "الديون الأمريكية بالدولار والولايات المتحدة تستطيع طبع الدولار. [...] ربما يصبح لدينا تضخم. إلا أننا بالتأكيد سنكون قادرين على تسديد الديون."
 
ذلك أنه وعلى النقيض من إدعاء مايرسون، لن تقوم الولايات المتحدة أبداً بتسديد ديونها، فهذا ما كان الاقتصادي الأمريكي مايكل هودسون Hudsonعلى علم به في سنوات السبعينات من القرن الماضي: "لأن سندات القروض هذه الصادرة عن وزارة المالية مدمجة في القاعدة المالية للاقتصاد العالمي، فلا يستوجب الأمر تسديدها، بل يتم تجديدها بشكل غير محدود. ومن هنا يقومالتنقل المالي الحر للولايات المتحدة على إعادة الجدولة اللانهائية للديون، ضريبة يتم فرضها على العالم أجمع."[3]
  
 
فعليا تستطيع الولايات المتحدة وببساطة ابتلاع قوة الشراء الفائضة القائمة في جميع أنحاء العالم. إلا أن ذلك يبقى سارياً فقط طالما بقي التعامل في تجارة النفط جارياً بالدولار وبقي وضع العملة الأمريكية غير معرض للخطر من قبل احتياطي عملات محتملة- كما اليورو أو العملة الصينية رنمينبي. فبعد انهيار نظام بريتون- وودز Bretton Woods Systemعام 1973 حل مكان غطاء الذهب [معيار الذهب الدولي] خلسة تقريباً غطاء النفط للدولار: فالطلب على النفط كان في ازدياد من جميع البلدان- باستثناء الدول المصدرة له. فهو سلعة متجانسة ومحدودة ذات أسعار متصاعدة. وهكذا ارتفعت حصة تجارة النفط من التجارة العالمية بشكل مستمر من 1,7 % في 1970 إلى 6 % في 2001 وإلى 12 % في 2011- حصة نتج عنها طلب متزايد بشكل هائل على الدولار. كذلك حرر غطاء النفط للدولار أمريكا من جميع قيود اتفاقية بريتون- وودز- إذ أمكنها منذ ذلك الحين تكديس سندات حكومية بشكل أكثر جموحاً من ذي قبل.

العسكريتارية كوسيلة

بغية ضمان بقاء التعامل في تجارة النفط الكونية ولعقود قادمة جارياً بالدولار، هناك حاجة إلى شرق أوسط خاضعٍ بشكل كليّ، في حال كان ذلك ممكناً، لسيطرة الولايات المتحدة- وذلك من خلال تغيير الأنظمة هناك كلما احتاج الأمر، بغية وأد أية تحالفات محتملة ضد الدولار في مهدها. فمشروع المحافظين الجدد من أجل "القرن الأمريكي الجديد" “Project for theNew American Century”(PNAC)يسير منذ البداية في هذا الاتجاه، نحو خلق شرق أوسط كبير Greater Middle Eastخاضع إلى أبعد حد للولايات المتحدة. فليس هناك من ذكر ولا في أي مكان حول توفير ظروف للسلام في وثائق مشروع القرن الأمريكي الجديد، بل الكثير عن الحروب وتوسيع القواعد العسكرية في جميع أرجاء العالم وعن التفوق العسكري براً وبحراً وجواً وعن دروع دفاعية ذرية في الغلاف الجوي الأرضي وبالأساس عن الارتفاع المستمر في نفقات التسلح.
 
 
 
ففي العقد الأخير أنفقت الولايات المتحدة من ميزانية دفاعية تتراوح سنوياً بين 500 و 800 بليون دولار على التسلح قدر ما أنفقه باقي العالم مجتمعاً. كل اقتصاد وطني آخر ربما كان أصلاً في عداد المنهار لو كان عليه تحمل مثل هذه النفقات الكبيرة عديمة الجدوى.
 
 
واقع الأمر أن سباق التسلح خلال الحرب الباردة قد قاد إلى انهيار الاتحاد السوفيتي. في المقابل عمدت الولايات المتحدة في أعقاب انتهاء المواجهة بين الكتلتين إلى زيادة نفقات التسلح الخاصة بها بشكل متسارع، أي 150 بليون دولار في 1990 إلى الرقم الفلكي 739 بليون عام 2011. وفي الوقت الحاضر تبلغ حصة نفقات التسلح من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي 4 %، أكثر من ضعف تلك الخاصة بالدول الصناعية الغربية الأخرى- بالرغم من النية الحالية والأولى في حد ذاتها لخفض الميزانية العسكرية. وفي حين توجه المعارضة انتقادات حادة إلى سياسة الحكومة عند رفع بنود أخرى في الميزانية، تتحاشى من حيث المبدأ توجيه النقد حين يتعلق الأمر بالميزانية العسكرية، إلا في حال كانت الزيادات غير كافية. كذلك الأمر بالنسبة للإعلام والمجتمع، حيث لا تشكل حصة التسلح الضخمة محور جدل جوهري. ولكن كيف يمكن تفسير نفقات التسلح الضخمة هذه وكيف يتم تبريرها من قبل السكان؟ في المحصلة النهائية فقط من خلال كون الولايات المتحدة تغطي أيضاً نفقات التسلح من خلال مديونية الدولة وطباعة النقود، إذ أن تغطية تكاليف حرب ما من خلال ضرائب مباشرة ستحرك السكان ضد أي حرب. فليس فقط وحدها حكومات أوروبا قامت بتمويل كلا الحربين العالميتين من خلال مديونية الدولة، بل جميع الحكومات الأمريكية أيضاً. فمن خلال استمرار الحروب خاصة منذ الحرب العالمية الأولى تزايدت تبعاً لذلك مديونية الدولة في الولايات المتحدة بشكل مستمر. إلا أن الاحتكار الفعلي لأموال العالم يفسر لماذا اقتصاد وطني كما اقتصاد الولايات المتحدة، اقتصاد غير قادر على المنافسة في مجالات متعددة ويعاني من عجز مزمن في الميزان التجاري، قادر على تمويل ليس فقط مثل هذه المشاريع العملاقة كما المجمع العسكري- الصناعي وعدة حروب باهظة الثمن، بل أيضاً على التمتع بقطاع مالي مستقر نسبياً وامتلاك عملة قادرة كما المغناطيس على جذب فائض رأس المال (Capital surplus) من جميع أنحاء العالم إليها.  

عالم بلا نظام والفوضى- هي فرصة للولايات المتحدة

وللمحافظة على هيمنتها، يجب على الولايات المتحدة أن تحول وبشكل حتمي دون صعود القوى المنافسة والدرء بشكل وقائي تهديدات حالية أو مستقبلية قد تأتي من دول النفط. أما الوضع المثالي الذي يجب توفره لتحقيق الأهداف الذاتية بكلفة رخيصة، فهو تفتيت مراكز القوى الممانعة من خلال نزاعات عرقية ودينية وحروب أهلية، فوضى وارتياب عميق في الشرق- ودائماً وفق الشعار المُجرب "فرق تسد". وبهذه الطريقة ربما لن تكون هناك قوة وعلى مدى عقود قادمة قادرة حتى على مجرد التفكير بالتعاطي في تجارة النفط بعملة أخرى غير الدولار. يُضاف إلى ذلك: ولأن جميع الخصوم يحتاجون إلى البترو- دولار بغية التزود بالسلاح، تستمر منابع النفط بالتفوير بعافية ونشاط- كما يمكن للمرء ملاحظة ذلك في الوقت الحاضر في العراق المشلول من الهجمات الإرهابية اليومية والفوضى.
 
واقع الأمر أننا نعيش في الوقت الحاضر تغييرات كبيرة في اتجاه مثل هذا الوضع الفوضوي. في غضون ذلك حصل تغيير في الأنظمة في أفغانستان والعراق وليبيا. ففي جميع هذا البلدان يُسيطر الشقاق والنزاعات القبلية والانشقاقات المناطقية بمحاذاة خطوط التماس العرقية الفاصلة والإرهاب المتبادل- وبشكل خاص من قبل السنة ضد الشيعة. إلا أن مشروع تغيير الأنظمة لا يكون بذلك قد أنجز أبداً. فسورية وإيران تجدان نفسهما مستهدفتين، حيث لا يدخر المحافظون الجدد من جهدهم جهداً لنسف مفاوضات جنيف الجارية. والقاعدة- وفقاً للصياغة الرسمية هي السبب الرئيس لأمريكا "لمكافحة الإرهاب"- بلغت في غضون ذلك قوة لم تعهدها في السابق. قوة تمثل بدورها أفضل أساس لشرعية المجمع العسكري- الصناعي الأمريكي.

المجمع العسكري- الصناعي القديم

وبهذه الطريقة تتلاقى في الوقت الحاضر جميع خيوط "إمبريالية- الدولار": نفط، دولار، عسكر. فالمجمع العسكري- الصناعي هو المستفيد الأساسي من "القرن الأمريكي الجديد" للحروب الجديدة. ففي الشرق الأوسط بشكل خاص يحصل هناك سباق تسلح نووي وتقليدي، سباق يطغى بشكل متزايد على سباق التسلح في السبعينيات من القرن الماضي والذي ترتب عليه ثلاثة حروب خليجية. ففي حين ومن خلال إعادة تدوير البترو- دولار مقابل أسلحة، تدور حلقة مفرغة خطيرة، يمكنها في أي وقت أن تشعل حريقاً هائلاً في المنطقة ككل، يستطيع قطاع التسلح الأمريكي أن يبقى متفائلاً: فجميع الحكومات الأمريكية ستسعى، بغض النظر عن لونها، إلى مواصلة سياستها الخاصة بمديونية الدولة مفلتة من أية عقوبة أو عاقبة وقادرة على الاستمرار في تمويل الميزانية العسكرية. فبفضل ازدياد الطلب على الدولار وطبع العملة المتواصل من قبل FED (وبالمناسبة أيضاً في ظل الإدارة الجديدة التي تقف على رأسها جانيت يلين Janet Yellen) يتمتع نظام البنوك الأمريكية بموارد مالية ضخمة إلى ذلك الحد الذي يسمح بتمويل الصناعات الحربية الأمريكية الخطيرة سياسياً بشكل كبير.
 
إلا أن "إمبريالية- الدولار" هي، من حيث المبدأ، بنية مزعزعة للغاية، وتتمخض عوضاً عن ذلك عن سخافات يصعب تخيلها. فهي من جهة تُبقي أداة عنف جبّارة على قيد الحياة- على حساب الإنسانية جمعاء (وفي نهاية الأمر ممولاً منها). ومن جهة أخرى تقوم هذه البنية على الفوضى والعنف والحروب الأهلية، خاصة في المناطق الغنية بالنفط، والتي لذلك أيضاً قد تتداعى في أي وقت زاجة بالعالم في خضم أزمات جسيمة. باختصار: ما الذي يمكنه أن يكون أكثر سخافة من حقيقة أننا نشارك بأموالنا في تمويل قطاع صناعي يتطلب دوامه في المحصلة النهائية أن لا يعم السلام أبداً على هذا الكوكب؟ كما أن فضيحة وكالة الأمن القومي الأمريكية NSA- والفضل في الكشف عنها يعود إلى إدوارد سنودن Snowden- تظهر على خلفية إمبريالية الدولار المسيطرة من منظورجديد خاص جداً. فمن الطبيعي أن تتمخض هذه البنية غير المستقرة للغاية عن جشعٍ خالصٍ لا ينضب نحو رقابة شاملة لجميع روابط الاتصال، بما في ذلك التجسس على قمة هرم الحكومات، حتى حكومات الدول الصديقة منها. وبالرغم من الاستياء العالمي، أكد باراك أوباما في خطابه في 17 كانون الثاني 2014 أن الولايات المتحدة ستستمر في جمع "معلومات تتعلق بنوايا حكومات أجنبية".
 
وكأساس لشرعية جهاز الأمن الأمريكي الضخم، تنتصب- سابقاً كما اليوم- مصالح وطنية فقط. فعندما تأسست وكالة الأمن القومي الأمريكية NSAعام 1952، لم يكن هناك بعد لا القاعدة ولا 9/11، بل منافع ومصالح لقوة مهيمنة صاعدة. وفي يومنا هذا ما يهم NSAبالأساس هو رصد وفي الوقت المناسب جميع الخطوات والتحركات في العالم التي قد تعرض الوضع الحالي للعملة الأمريكية للخطر ووأدها بجميع الوسائل المتاحة وهي بعد في المهد. وهي بذلك تتصرف وفقاً لمصلحة التحالف ذي النفوذ والمؤلف من المجمع العسكري- الصناعي وقطاع المال الأمريكي المعتمد على مثل هذه المعرفة من أجل بقائه الذاتي. ومن جهة أخرى تمثلNSA ، كما تَبين، الخطر الأكبر على الديمقراطية في أمريكا والغرب ككل- وذلك بطريقة لم يكن الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور قادراً بعد على تصورها حين حذر في خطبة الوداع في 17 كانون الثاني 1961 أمام المجمع العسكري- الصناعي قائلاً: "هذا الجمع بين مؤسسة عسكرية ضخمة وصناعات حربية قوية جداً هو جديد في التاريخ الأمريكي. [...] علينا في مؤسسات الحكومة العمل على منع انتشار، سواء بشكل فعلي أو سلبي، التأثير غير المشروع للمجمع العسكري- الصناعي. فإمكانية صعود خطير للقوة في الأمكنة الخطأ قائمة وستبقى قائمة. علينا أن لا نسمح أبداً أن يعرض هذا التحالف المهيمن حرياتنا ومسيرتنا الديمقراطية للخطر."
 
خمسون عاماً بعد تحذير أيزنهاور، خطت الولايات المتحدة خطوة كبيرة "إلى الأمام". حيث يصارع هذا المجمع الجبار منذ نهاية تصادم المعسكرين الغربي والشرقي من أجل استمرار وجوده محركاً كل شيء من أجد ترسيخ هيمنة أمريكا بشكل دائم. واقع الأمر أن العالم منذ 1989، كما كان المرء ينتظر بشوق ولهفة، لم يصبح أكثر أماناً وسلاماً، بل- كما كان الحال عليه في مطلع القرن الماضي- أقل أمناً وأكثر مدعاة لإشعال الحروب. ولكن الأكثر إلحاحاً هو أن يقوم المجتمع الدولي أخيراً- وربما أيضاً في الوقت المناسب- بالدفاع عن نفسه في مواجهة هذا التطور الخطير جداً.
 

البديل: تحول طاقة عالمي وتعدد احتياطي العملات

ومن هنا لا بد وأن تحوى أجندة السياسة الدولية مسألة دمقرطة الاقتصاد العالمي من خلال إنهاء احتكار الولايات المتحدة للمال العالمي. هذا الهدف يمكن تحقيقه على المدى البعيد وبالفاعلية القصوى من خلال تحول كوني في الطاقة- بعيداً عن سبيل الوقود الإحفوري، قريباً من تطوير شامل للطاقات المتجددة. أما على المدى القصير، فيمكن ويجب ترسيخ تشكيلة من احتياطي العملات، تكون، وأخيراً، على مستوى موازين القوى الاقتصادية الحقيقية.[4]
 
مثل هذا البديل ربما قدر له أيضاً خدمة المصالح الأمريكية طويلة الأمد، وذلك في حال ساهم في أن تتخلص الولايات المتحدة أخيراً من الأجزاء النفعية وبالتالي غير المنتجة من اقتصادها- أي تحالف المال والعسكر. من جهة أخرى يُظهر مثال باراك أوباما، والذي كان عليه التراجع عن جميع مقارباته الإصلاحية الجيدة تقريباً، في أن الولايات المتحدة وحدها وبقواها الذاتية بالكاد في وضع يسمح لها بصد هذا التحالف القوي بشكل مفرط، بما في ذلك القوى السياسية التي تدعمه.
 
ومن باب أولى يقع الواجب على أوروبا وآسية؛ فقط تعددية جديدة لاحتياطي العملة- مدفوعة من قبل الاتحاد الأوروبي والصين- ربما ساعدت الولايات المتحدة على مغادرة طريق زيادة الرخاء والرفاهية باستخدام أساليب إمبريالية الراهن، لصالح إمكانياتها الإنتاجية الذاتية الهائلة. فلو تمكن المرء ولو مرة واحد فقط أن يتخيل أن الدولار لم يعد العملة الدولية الوحيدة وأنه قد فقد استقراره وبشكل محتوم في خضم المنافسة الدولية المحمومة مع اليورو والرنمينبي. حينئذ سيتم سحب رأس المال الدولي الفائض بكميات كبيرة من الولايات المتحدة واستثماره في منطقة اليورو أو الرنمينبي. وبهذا ستتعثر سياسة الولايات المتحدة الراهنة والمتعلقة بمديونية الدولة من خلال إصدار السندات الحكومية، وسيفقد التحريم بعدم المس بالنفقات العسكرية صلاحيته، هذا التحريم القائم على إجماعٍ يتخطى حدود الكتل السياسية. حينئذ لا يبقى أمام الحكومات الأمريكية من خيار سوى تخفيض وبشكل كبير جداً الميزانية العسكرية العالية بغية تقليص العجز المزمن في الميزانية.
 
 
ولكن كيف سيؤثر هذا الوضع الجديد على القوة المهيمنة الولايات المتحدة؟ في داخل الولايات المتحدة سيحصل- أخيراً- جدل حاد حول جدوى وعبث نفقات التسلح والقدرات العسكرية على مستوى العالم (بما في ذلك أكثر من 800 قاعدة عسكرية)- على أمل تجريد الولايات المتحدة من الصفة العسكرية إلى الحد الذي يتناسب وقوتها الاقتصادية الحقيقية. وبذلك لا تعود الولايات المتحدة "الدولة الكبرى الوحيدة المتبقية"، بل فقط واحدة من بين عدة دول كبرى أخرى. ومن خلال ذلك يصبح وارداً ظهور هياكل وتوازنات قوى كونية جديدة كلياً، إذ تتوفر فرص حقيقية للمنطقة الآسيوية وكذلك أيضاً الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية وإفريقية وأوروبا أيضاً أن تجتمع في بنى أمنية مشتركة ومتعاونة مناطقياً. وفي ذات الوقت تفقد أيضاً السخط والنزاعات القومية والعنصرية بشدة من جاذبيتها. وربما أمكن أيضاً من خلال تعاون دولي أن يتم أخيراً تقليص قطاع المال أيضاً إلى مقدار معقول- وبالتالي ازدياد وبشكل ملحوظ فرصة توزيع أكثر عدلاً للدخل.
 
باختصار، سيكون أخيراً لديناً أمل في عالم أكثر عدالة وأقل مضاربات مالية- عالم أكثر ديمقراطية وسلاماً. والخاسرون من سيناريو مثل هذا هم بلا شك المجمع العسكري- الصناعي وقطاع المال والمستغلون له وعلى رأسهم المحافظون الجدد. ولهذا يجب توقع مقاومة عنيفة. إلا أن هذا النضال حتمي من أجل عالم أكثر عدالة وسلاماً. 

*المكونة لأسماء الدول صاحبة أسرع نمو اقتصادي بالعالم. وهي: البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا . عقدت أول قمة بين رؤساء الدول الأربع في ييكاتيرينبرغ ،روسيا في حزيران 2009 حيث تتضمنت الإعلان عن تأسيس نظام عالمي ثنائي القطبية. وعقدت أول لقاء على


 
[1] ذلك أن هذه الدعوة قد وقعت على آذانٍ صاغية، فهذا ما يظهره إقرار رئيس الجمهورية الألماني يوآخيم جاوك بمسئولية أكبر في العالم- بما يتفق تماماً مع أعضاء في الحكومة [الألمانية] مثل [وزير الخارجية] فرانك- فالتر شتاينماير و[وزيرة الدفاع] أورزولا فون دير لين. وبشكل يعتبر حتى أكثر أساسية يُصاغ الجواب الألماني على الدعوات الأمريكية من قبل الوثيقة "قوة جديدة، مسئولية جديدة"- إصدار مشترك صادر عن مؤسسة علم وسياسة، إضافة إلى صندوق مارشال الألماني التابع للولايات المتحدة، www.swp-berlin.org, 2013.    
[2] بشكل مفصل بهذا الخصوص، محسن مسارات، أحجية سعر النفط في "صفحات"، „Blätter“، 10/2008، ص. 83-94.
[3] مقتبس وفق ديفيد جريبر Graeber، ديون، شتوتجارت 2012، ص. 384 وما يتبع.
[4]  صحيح أن الولايات المتحدة تمتعت عام 2012 باقتصاد وطني قوي جداً، وذلك على خلفية ناتج محلي بلغ 15684 مليارد دولار إجمالي. إلا أن الاتحاد الأوروبي ب 12785 مليارد دولار لم يلهث بعيداً خلفها. 

 

 





Courtesy of تلاكسكالا
Source: http://www.ettelaat.com/etiran/?p=26187
Publication date of original article: 10/10/2013
URL of this page : http://www.tlaxcala-int.org/article.asp?reference=14661

 

Tags: أمريكادولارالولايات المتحدة الأمريكيةنفطالإمبريالية الأمريكية
 

 
Print this page
Print this page
Send this page
Send this page


 All Tlaxcala pages are protected under Copyleft.